Follow ICT
شعار الموقع الاساسى
جايزة 160
جايزة 160

«منظومة تنقل رقمية تنافسية».. إنترنت الأشياء يعيد تشكيل صناعة السيارات في مصر

تشهد الدولة المصرية في مطلع عام 2026 تحولاً تاريخياً في مفهوم التنقل، حيث انتقلت السيارة من كونها مجرد وسيلة انتقال ميكانيكية إلى وحدة بيانات ذكية متصلة، وذلك مع اكتمال عقد التحالفات التكنولوجية الكبرى بمنح الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات ترخيص تقديم خدمات إنترنت الأشياء (IoT) لشركة مرسيدس-بنز، لتنضم إلى قائمة النخبة التي تضم سبعة كيانات عالمية أخرى مثل “أونستار” التابعة لجنرال موتورز، ومجموعة منصور إم جي، وجلوبال أوتو وكيل بي إم دبليو، وألفا عز العرب بعلاماتها الفاخرة، والشركة المصرية العالمية للسيارات  EIM ووكلاء أودي وسكودا وبورشه.

هذه الخطوة ليست مجرد إضافة تقنية لرفاهية السائق، بل هي قرار استراتيجي يضع مصر رسمياً على خارطة التنقل المتصل العالمية، ويحول الشارع المصري إلى مختبر مفتوح لتطبيقات الثورة الصناعية الرابعة، بما يخدم رؤية مصر الرقمية 2030 في بناء مجتمع ذكي ومستدام يعتمد على البيانات كوقود للمستقبل.

المحللون أشاروا إلي إن فلسفة منح هذه التراخيص تكمن في خلق بيئة استثمارية جاذبة تجعل من مصر مركزاً إقليمياً لتكنولوجيا السيارات، حيث تتجاوز العوائد الاقتصادية فكرة بيع المركبات إلى بناء منظومة متكاملة من اقتصاد البيانات؛ فدمج تكنولوجيا المعلومات في قطاع النقل يفتح الباب أمام استثمارات مليارية في مراكز البيانات، وتطبيقات البرمجيات، وخدمات ما بعد البيع الرقمية.

وتتجلى أهمية هذه الخطوة في تعزيز السيادة الرقمية للدولة، حيث تُلزم الأطر التنظيمية الجديدة الشركات العالمية بتخزين ومعالجة بيانات المستخدمين المصريين داخل الحدود الوطنية، مما يحقق معادلة صعبة توازن بين الانفتاح التكنولوجي العالمي ومتطلبات الأمن القومي، ويضمن حماية خصوصية المواطن في ظل تدفق هائل من المعلومات التي ترصدها أجهزة الاستشعار في السيارات الحديثة.

من الناحية العملية، سينتقل المواطن المصري من مرحلة رد الفعل إلى التنبؤ، فخدمات إنترنت الأشياء ستوفر حلولاً ملموسة تبدأ من الصيانة التنبؤية التي تحذر السائق من العطل قبل وقوعه، وصولاً إلى أنظمة الملاحة الحية ووسائل الاستغاثة الآلية التي ترتبط مباشرة بغرف عمليات الطوارئ، مما يقلص زمن الاستجابة للحوادث وينقذ الأرواح. كما تلعب هذه التقنية دوراً محورياً في تقليل استهلاك الوقود والانبعاثات الكربونية عبر تحسين مسارات القيادة، وهي ركيزة أساسية في التحول نحو المدن الخضراء. ومع دخول مرسيدس كعلامة ثامنة في هذا السباق، يشتعل صراع تكنولوجي محمود بين الوكلاء، مما يجعل ذكاء السيارة معياراً أساسياً للمستهلك المصري عند الشراء، ويمهد الطريق تدريجياً لظهور السيارات ذاتية القيادة التي تتطلب بنية تحتية رقمية فائقة الاعتمادية.

عالمياً، أثبتت تجارب دول رائدة أن ربط السيارات بالإنترنت ساهم في خفض معدلات الحوادث بنسبة تصل إلى 20%، وحسن من كفاءة الحركة المرورية في المدن المزدحمة. ومصر اليوم، بتطويرها لشبكات الجيل الرابع المتقدمة والبدء في نشر تقنيات الجيل الخامس تبرهن على جاهزية بنيتها التحتية لاستيعاب هذا الكم الهائل من البيانات.

ونوه المحللون، إن هذا التوجه الاستراتيجي يعكس رؤية ثاقبة للدولة المصرية التي لا تكتفي باستيراد التكنولوجيا، بل تضع الأطر القانونية والفنية لتوطينها، مما يجعل من قطاع السيارات قاطرة لنمو تكنولوجي شامل يربط بين الطرق الذكية، والاتصالات المؤمنة، والرفاهية الاقتصادية، ليصبح إنترنت الأشياء هو العقل المدبر الذي يقود رحلة المصريين نحو المستقبل على طرق أكثر ذكاءً وأماناً.

هشام العلايلي
هشام العلايلي

أكد هشام العلايلى، الرئيس التنفيذي السابق للجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، على أهمية إنترنت الأشياء بالنسبة للصناعة والخدمات، لافتاً إلى أن منح الجهاز تراخيص جديدة لتقديم خدمات “إنترنت الأشياء” للسيارات في مصر إلى شركة مرسيديس بنز ايجيبت للتجارة خطوة جيدة للغاية كان لابد من اتخاذها في ظل المساعي المصرية نحو توطين أحدث التقنيات العالمية وتقديم خدمات أكثر تطورًا وأمانًا للمستخدم المصري.

وقال الرئيس التنفيذي السابق للجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، أن توفير إنترنت الأشياء داخل السيارات يقدم الكثير من الخدمات للافراد والشركات على حد سواء، فمن خلالها يمكن للأشخاص التحكم في السيارات بطريقة أفضل، وبالنسبة للشركات يمكن التحكم في عربات النقل التابعة لها وامتلاك رؤية واضحة لما يحدث في السيارات، هذا إضافة إلى الخدمات التي يمكن أن يستفيد منها أي شخص عن طريق الإنترنت داخل السيارة مثل تحديث السوفت وير، تحديث برامج الكشف عن السيارة عن بعد في حال وجود اي مشاكل كل هذا سيتم بسهولة.

واضاف أنه بشكل عام يُسهم توفير إنترنت الأشياء داخل السيارات في رفع مستويات الأمان والسلامة على الطرق، وتحسين تجربة المستخدم، فضلًا عن دعم كفاءة إدارة وتشغيل المركبات.

وعن العوائد الاقتصادية المتوقعة، أوضح أنه إذا كانت شركة ما تدير نحو 300 سيارة فيمكنها من خلال إنترنت الأشياء أن تمتلك رؤية واضحة عن استهلاك السيارة والتكلفة والاعطال وكل هذا سيكون متاح اونلاين تستطيع الشركة اتخاذ خطوات سريعة لحلها وهو أمر جيد للغاية يوفر الكثير من التكلفة.

كما يساعد توفير “إنترنت الأشياء” للسيارات السائق من الاستفادة من أنظمة الملاحة والتتبع ووسائل الاستغاثة في الطوارئ بشكل آمن ومنظم مع ضمان حماية بيانات المستخدمين وخصوصيتهم.

محمد شتا
محمد شتا

قال محمد شتا، الخبير الدولي في تكنولوجيا صناعة السيارات، إن منح التراخيص لشركات السيارات لتفعيل خدمات إنترنت الأشياء في مصر يمثل إنجازاً تكنولوجياً طال انتظاره، مؤكداً أن الغالبية العظمى من السيارات المستوردة من الأسواق الأوروبية مجهزة تقنياً بهذه الأنظمة منذ سنوات، لكنها كانت تنتظر قرار التفعيل الرسمي لتتحول من مجرد مركبات ميكانيكية إلى وحدات ذكية قادرة على التواصل مع محيطها، وهو ما يضع مصر على الطريق الصحيح للحاق بالتطور العالمي في هذا المجال.

وأشار إلى أن القيمة الحقيقية لهذه التقنية تتخطى الرفاهية لتصل إلى جوهر السلامة المرورية، حيث سلط الضوء على نظام الاستغاثة الآلي الذي يتيح للسيارة طلب النجدة فور وقوع حادث وتحديد موقعها بدقة لغرف عمليات الطوارئ دون تدخل بشري، معتبراً أن هذه الميزة ستسهم بشكل جذري في تقليل زمن الاستجابة للحوادث وإنقاذ الأرواح، كما أنها تتماشى مع التوجهات السيادية للدولة المصرية في تطوير منظومة الأمان على الطرق السريعة.

وأوضح الخبير الدولي أن إنترنت الأشياء سيغير مفهوم ملكية السيارة والكماليات، حيث بدأت الشركات العالمية في تزويد المركبات بكافة التجهيزات تقنياً مع ترك خيار تفعيلها للمستخدم بنظام “الاشتراك” أو “الإيجار الرقمي” حسب الحاجة، وهو توجه استراتيجي يحتاج إلى بنية تحتية رقمية قوية تضمن استقرار الاتصال بين المصنع والمركبة، لافتاً في الوقت ذاته إلى أهمية اليقظة تجاه “الأمن السيبراني” وحماية البيانات، خاصة وأن السيارات الحديثة أصبحت تمتلك القدرة على تصوير ورسم خرائط دقيقة للمناطق التي تمر بها، مما يتطلب إطاراً تنظيمياً صارماً يحفظ خصوصية المستخدمين والأمن القومي.

وذكر محمد شتا أن الفرصة مواتية لمصر لاستغلال عقول شبابها في توطين هذه التكنولوجيا، ليس فقط في السيارات الجديدة، بل عبر ابتكار حلول تقنية يمكن إضافتها لأسطول النقل الثقيل الحالي، مثل أنظمة الفرامل الذكية وحساسات التنبيه، لتقليل حوادث الطرق الناتجة عن أخطاء بشرية أو أعطال ميكانيكية مفاجئة، مشدداً على أن الوعي المتنامي للمستهلك المصري بمواصفات الأمان العالمية هو الضمانة الحقيقية لارتقاء السوق المحلي، داعياً المواطنين إلى التمسك بمعايير السلامة كحق أصيل لا يقبل المساومة عند شراء أي مركبة جديدة.

الدكتور حمدي الليثي
الدكتور حمدي الليثي

من جانبه يقول الدكتور حمدي الليثي، نائب رئيس غرفة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات السابق، إن منح تنظيم الاتصالات لمرسيدس بنز الضوء الأخضر لتقديم خدمات إنترنت الأشياء للسيارات في مصر هي خطوة مهمة في إطار توجه الدولة نحو توطين التكنولوجيا، حيث إن التوجه إلى استخدام أي تكنولوجيا حديثة يعمل على زيادة الدخل القومي ويستفيد منها الناس بشكل كبير، وهو ما يخدم أيضا رؤية مصر الرقمية 2030، والتي تعتمد بشكل أساسي على التكنولوجيا الحديثة ودعم نموها وتوطينها، وسيكون هناك عوائد كبيرة على قطاع النقل والمواصلات في مصر، وخصوصا مع توجه الحكومة إلى تقديم صورة النقل الذكي في مصر، وخطوة إدخال إنترنت الأشياء للسيارات ستنقل هذه الصورة وهذا التوجه إلى مرحلة مختلفة.

ويضيف أن إنترنت الأشياء أصبح له تطبيقات في كل نواحي الحياة، ومن الجيد أن نبدأ في تطبيق مثل هذه التكنولوجيا من خلال شركات كبيرة وعالمية لديها التجارب والخبرات التي تجعلها تطبق هذه التكنولوجيا لدينا بشكل سليم، ومن المهم أن يكون لدينا الوعي الكافي للتعامل مع ذلك، والعمل على تهيئة البنية التحتية للاتصالات، والتي تم رفع كفاءتها بصورة كبيرة خلال الفترة الماضية، ولكن مع وجود تكنولوجيا مختلفة ومتقدمة يجب العمل دائما على تهيئة البنية التحتية بصورة أكبر.

ويضيف أنه يجب أن يكون هناك حوكمة ودور لجهاز تنظيم الاتصالات، بالحفاظ على حقوق 3 أضلاع، وهي مقدم الشركة التي يجب أن يحصل على ربح معقول، والمستخدم التي يجب أن يتلقى الخدمة بأسعار معقولة، والضلع الثالث هو الدولة التي توفر القوانين والتشريعات اللازمة لهذا الشأن وفي نفس الوقت تحقق عائدا أيضا.

ويشير الليثي إلى منح التراخيص لشركة عالمية مثل مرسيدس سيؤثر بصورة كبيرة على جاذبية السوق المصري كمركز إقليمي لتكنولوجيا السيارات في المنطقة، حيث سنلفت نظر شركات عالمية أخرى لديها الخبرات الكبيرة التي تؤهلها لقيادة هذا السوق وتحقيق نوع من النجاح وتقدم خدمة حقيقية للناس، كما سيشجع ذلك أيضا شركات أخرى في مجالات مختلفة وليس مجال السيارات فقط، مما يمهد لكي تكون مصر مركزا مهما لإنترنت الأشياء في المنطقة.

منتصر زيتون
منتصر زيتون

يرى منتصر زيتون، عضو الشعبة العامة للسيارات بالاتحاد العام للغرف التجارية، أن منح مرسيدس-بنز ترخيص تقديم خدمات إنترنت الأشياء للسيارات في مصر خطوة جاءت متأخرة نسبيًا، لكنها تمثل تحركًا في الاتجاه الصحيح. فهذه الخدمات أصبحت معيارًا عالميًا في صناعة السيارات، ولم تعد رفاهية تقنية بل عنصرًا أساسيًا في منظومة الأمان وتجربة المستخدم.

ويشير إلى أن اختيار مرسيدس خطوة موفقة، باعتبارها من الشركات التي تطبق تقنيات الاتصال الذكي عالميًا ضمن منظومة متكاملة، كما أن سياراتها تصل إلى السوق المصري بأسعار تنافسية نسبيًا بفضل التصنيع في دول تتمتع بمزايا جمركية.

لكن زيتون يربط بين هذه الخطوة وبين ضرورة إصلاح بيئة الاستثمار الصناعي، موضحًا أن جذب شركات عالمية أخرى لن يتحقق دون معالجة القيود الجمركية التي لم تكن محفزة خلال السنوات الماضية. فالحكومة – بحسب قوله – حاولت سابقًا استقطاب كبرى الشركات دون أن تنجح في تحقيق اختراق حقيقي.

ويؤكد أن السوق المصري يمتلك مقومات التحول إلى مركز إقليمي لتكنولوجيا السيارات، غير أن ذلك يتطلب قرارات جريئة ودعمًا حكوميًا مباشرًا، حتى وإن استلزم الأمر مجازفة مؤقتة بالإيرادات الضريبية والجمركية. فإلغاء الجمارك على مكونات الإنتاج، وعدم فرض رسوم على السيارات الكهربائية، قد يعني خسارة قصيرة الأجل، لكنه يفتح الباب أمام تدفقات مضاعفة من العملة الصعبة عبر التصدير وجذب الاستثمارات.

ويضيف أن العالم يتجه بوتيرة متسارعة نحو توطين صناعة السيارات الكهربائية ودمج تكنولوجيا المعلومات داخل المركبات، وهو ما يفرض على مصر الدخول في سباق المنافسة من خلال تخفيض تكاليف الإنتاج ومنح حوافز حقيقية، حتى تصبح منصة تصنيع وتصدير لتكنولوجيا السيارات لا مجرد سوق استهلاكية.

كريم الزفتاوي
كريم الزفتاوي

من جانبه، يوضح كريم الزفتاوي، الرئيس التنفيذي لشركة Fruitful Solutions المتخصصة في التحول الرقمي للمصانع عبر حلول إنترنت الأشياء، أن استخدام هذه التقنيات كان موجودًا بالفعل في السوق المصري، لكنه كان يتم بصورة غير منظمة. ويعد قرار الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات بمنح مرسيدس الموافقة الرسمية نقطة تحول نحو تقنين الاستخدام ووضعه تحت مظلة رقابية تضمن الأمان القانوني والسيبراني.

ويشير إلى أن السيارات المتصلة منتشرة عالميًا، وتوفر باقة واسعة من المزايا للمستهلك، أبرزها التحكم عن بُعد في بعض وظائف السيارة، وتتبعها لحمايتها من السرقة، إضافة إلى الصيانة الاستباقية، حيث يمكن لمراكز الخدمة تشخيص الأعطال عن بُعد، ما يقلل زمن التوقف ويخفض التكلفة على المالك ومقدم الخدمة في آن واحد.

ويؤكد أن البنية التحتية في مصر باتت مهيأة لدعم هذا التحول، لا سيما مع التوسع في شبكات الجيل الخامس 5G، التي تُعد عنصرًا حاسمًا في تشغيل تطبيقات إنترنت الأشياء بكفاءة واعتمادية عالية.

 

The short URL of the present article is: https://followict.news/j6hi