لم يعد ملف ريادة الأعمال والشركات الناشئة في مصر يتحرك على هامش السياسات الاقتصادية والاجتماعية، أو باعتباره أداة لخفض معدلات البطالة وتوفير فرص العمل فحسب، بل بات يحتل موقعا متقدما في استراتيجية الدولة لإعادة هيكلة الاقتصاد، وتنويع مصادر النمو، وتعزيز قدرته على جذب الاستثمارات وتوليد النقد الأجنبي.
ويتجسد هذا التحول في إطلاق «الخطة التنفيذية لدعم ريادة الأعمال والشركات الناشئة»، بالتوازي مع تأسيس صندوق استثماري مشترك بالتعاون بين بنك الاستثمار القومي وذراعه الاستثمارية شركة «إن آي كابيتال»، إلى جانب تدشين مبادرة تمويلية تستهدف حشد مليار دولار على مدى 5 سنوات، وجذب 5 مليارات دولار من رأس المال المخاطر لنحو 5 آلاف شركة ناشئة.
ويعكس هذا التحرك المؤسسي إدراكا متزايدًا لأهمية الاقتصاد الرقمي والمعرفي، الذي لم تعد مقوماته تعتمد فقط على الأصول التقليدية، وإنما على قدرة العقول الشابة والشركات الناشئة على تطوير حلول مبتكرة وقابلة للتوسع لمعالجة تحديات قطاعات استراتيجية، مثل اللوجستيات والتصنيع وسلاسل الإمداد والزراعة.
وفي هذا الإطار، يمثل الاتجاه نحو توحيد التعريف القانوني والتنظيمي للشركات الناشئة خطوة أساسية لتبسيط الإجراءات وفك التشابكات البيروقراطية، وتسهيل نفاذ هذه الشركات إلى الحوافز المالية والضريبية، فضلًا عن وضع حد للخلط بينها وبين المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر ذات الطبيعة التقليدية.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية أكبر مع توجه الدولة إلى فتح مسارات تنظيمية واضحة للانتقال من «المختبرات التنظيمية» إلى الرخص التشغيلية الدائمة، بما يتيح للشركات المبتكرة، خصوصًا العاملة في التكنولوجيا المالية والذكاء الاصطناعي، اختبار نماذج أعمالها في بيئة آمنة ثم الانتقال إلى السوق والتوسع بصورة أكثر استقرارًا.

ويأتي ذلك في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى تحويل منظومة ريادة الأعمال من مجرد بيئة حاضنة للأفكار إلى قطاع قادر على إنتاج شركات ذات قيمة اقتصادية حقيقية، وجذب الاستثمارات، والتوسع خارج السوق المحلية، بما يعزز مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي ويدعم قدرة الاقتصاد المصري على خلق وظائف مرتفعة القيمة.
وتكتمل هذه البنية بالتركيز على إشراك الكفاءات المصرية بالخارج وتفعيل «عيادات الأعمال» لحل المعضلات الإجرائية، مما يعكس نهجًا مرنا يستمع إلى الميدان ويعالج الاختناقات التشغيلية بصورة فورية؛ حيث نجحت الآلية بالفعل في حسم 21 تحديًا من أصل 48 تحديًا طرحت عليها عبر مركز مصر لريادة الأعمال والابتكار.
وتستند الدولة في هذه الرؤية إلى معايير دولية واضحة تشير إلى أن منظومة الشركات الناشئة باتت تمثل نحو 8% من الناتج المحلي الإجمالي لاقتصادات مجموعة العشرين، مما يجعل من التحركات التمويلية والتنظيمية الراهنة استثمارا حتميًا لتنويع مصادر النمو وتوليد وظائف فائقة القيمة في الاقتصاد الحقيقي.
وفي هذا الصدد، قال خبراء إن الخطوة الحكومية تؤسس لمرحلة تحول فارقة في نمط السيولة الموجهة للابتكار، حيث يمثل صندوق التمويل المشترك التابع لـ«إن آي كابيتال» منصة تضمن تدفق رأس المال في المراحل المبكرة والمتوسطة، مما يسد فجوة تمويلية عانت منها بيئة الابتكار لسنوات، مؤكدين أن المستهدفات الرقمية الطموحة بحشد مليار دولار من خلال مبادرة موحدة وجذب 5 مليارات دولار من رؤوس الأموال المخاطرة تبعث بإشارات طمأنة بالغة الإيجابية للمنصات الاستثمارية الدولية حول جدية صانع القرار في ترسيخ بيئة الأعمال، شريطة توفير قنوات واضحة لخروج المستثمرين ومرونة حركة تحويل الأرباح.
وأشاروا إلى أن المرتكز الأهم في الخطة التنفيذية يكمن في توجيه التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي نحو القطاعات الحقيقية كاللوجستيات والصناعة والزراعة، موضحين أن ريادة الأعمال في مصر ظلت لفترة طويلة حبيسة قطاع الخدمات الاستهلاكية والتطبيقات التجارية السريعة، بينما تكمن قيمتها المضافة الفعلية في تحسين كفاءة التشغيل، وخفض تكاليف الإنتاج المحلي، واستبدال الواردات بحلول تقنية وطنية.
كما أكد الخبراء على أن حسم إشكالية الخروج من أطر «المختبرات التنظيمية» إلى أطر العمل التشغيل الدائمة يمثل كلمة السر في استدامة نمو الكيانات الناشئة، حيث أن بقاء المشروعات داخل هذه الحاضنات لمدد أطول من اللازم يعيق جذبها لجولات تمويلية كبرى من صناديق الاستثمار الإقليمية والدولية التي تشترط وجود رخص تجارية واستثمارية نهائية

وقال الدكتور عبد المنعم السيد، مدير مركز القاهرة للدراسات الاقتصادية، إن الشركات الناشئة وريادة الأعمال تمثلان أحد الملفات الاقتصادية المهمة في مصر، لما لهما من دور في توفير فرص العمل وخفض معدلات البطالة وجذب الاستثمارات وزيادة الصادرات، مشددًا على ضرورة تعزيز الدعم الحكومي وتذليل العقبات أمام أصحاب الأفكار والمشروعات المبتكرة.
وأضاف، أن مصر تمتلك عددًا كبيرًا من الشركات الناشئة وأصحاب الابتكارات، إلا أن القطاع لا يزال بحاجة إلى منظومة أكثر تكاملًا لاحتضان هذه الشركات وحمايتها تشريعيًا وتوفير المساندة اللازمة لها في مراحل التأسيس والنمو.
وأوضح أن إجراءات تأسيس الشركات والحصول على التراخيص تأتي في مقدمة التحديات التي تواجه رواد الأعمال، مشيرًا إلى أهمية إنشاء آلية تابعة لمجلس الوزراء لتلقي شكاوى أصحاب المشروعات واستفساراتهم والعمل على إيجاد حلول للعقبات التي تواجههم.
وأشار إلى أن توفير التمويل يمثل أحد أهم التحديات أمام توسع الشركات الناشئة، مؤكدًا أهمية إنشاء صندوق لتمويل ريادة الأعمال، إلى جانب استهداف دعم أكثر من 5 آلاف شركة ناشئة وجذب استثمارات تتجاوز 5 مليارات دولار من رأس المال المخاطر.
ولفت إلى أن تعزيز التمويل وتيسير الإجراءات من شأنهما مساعدة الشركات على تطوير منتجاتها وخدماتها وجذب استثمارات محلية وأجنبية وفتح أسواق جديدة أمام الابتكارات المصرية، مؤكدًا أن توسع الشركات الناشئة خارج مصر يمكن أن يفتح المجال أمام تصدير الخدمات التكنولوجية والحلول الرقمية والمنتجات المبتكرة، بما يحقق عوائد للاقتصاد المصري من خلال زيادة التشغيل والإيرادات.

قال الدكتور المهندس محمد طلعت، عضو أمانة ريادة الأعمال المركزية بحزب مستقبل وطن، إن مخرجات وتوصيات «منتدى مصر 2026» تعكس توجه الدولة المصرية نحو تعزيز دور القطاع الخاص في قيادة النمو الاقتصادي، وتهيئة بيئة أكثر دعمًا لريادة الأعمال والشركات الناشئة، بما يسهم في توسيع قاعدة الاستثمار المنتج وخلق فرص عمل مستدامة، وتحويل الأفكار الابتكارية إلى مشروعات اقتصادية قادرة على المنافسة والنمو.
وأوضح طلعت أن التوصيات المتعلقة بتقديم التيسيرات والحوافز المالية لأنشطة ريادة الأعمال، إلى جانب إطلاق خطة تنفيذية لدعم الشركات الناشئة، تمثل خطوة مهمة نحو بناء منظومة اقتصادية أكثر مرونة وقدرة على استيعاب الأفكار الجديدة، خاصة مع الدور المتنامي للمشروعات الناشئة في تطوير الخدمات والمنتجات، وفتح مجالات استثمارية جديدة، وتعزيز الاعتماد على التكنولوجيا والابتكار في مختلف القطاعات.
وأشار إلى أن استهداف دعم 5 آلاف شركة ناشئة، والعمل على جذب استثمارات بقيمة 5 مليارات دولار في مجال رأس المال المخاطر، إلى جانب إطلاق مبادرة تمويلية موحدة تستهدف حشد مليار دولار على مدار خمس سنوات، يعكس توجهًا نحو توفير أدوات تمويل أكثر ملاءمة لطبيعة المشروعات الناشئة ومراحل نموها، بما يساعد رواد الأعمال على الانتقال من مرحلة تأسيس الأفكار إلى بناء شركات قادرة على التوسع والاستدامة.
وأضاف أن أهمية هذه التوجهات لا تتوقف عند زيادة أعداد الشركات الناشئة، وإنما تمتد إلى بناء منظومة متكاملة تربط التمويل بالتدريب والتأهيل الفني والإداري، وتيسر الوصول إلى الأسواق، وتدعم حماية الابتكار، وتوفر بيئة تنظيمية أكثر وضوحًا، بما يرفع فرص نجاح المشروعات ويعزز قدرتها على جذب الاستثمارات المحلية والأجنبية.
وأكد طلعت أن دعم ريادة الأعمال يمثل أحد المسارات المهمة لتوسيع مشاركة الشباب في النشاط الاقتصادي، وتحويل طاقاتهم الإبداعية إلى فرص إنتاج وتشغيل، مشددًا على أن نجاح هذه التوصيات يتطلب التنسيق المستمر بين الحكومة والقطاع الخاص والمؤسسات التمويلية والجامعات، مع وضع مؤشرات واضحة لقياس معدلات تأسيس الشركات واستمرارها ونموها وقدرتها على توفير وظائف ذات قيمة مضافة.
وشدد على أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من مفهوم دعم المشروعات الناشئة باعتباره مبادرات منفصلة إلى بناء منظومة مؤسسية متكاملة لريادة الأعمال، تقوم على تيسير الإجراءات، وتحسين فرص التمويل، وتشجيع الابتكار، وربط مخرجات البحث العلمي باحتياجات السوق، بما يعزز تنافسية الاقتصاد المصري ويدعم توجه الدولة نحو نمو أكثر إنتاجية واستدامة.
واختتم طلعت تصريحاته بالتأكيد على أن مخرجات «منتدى مصر 2026» تمثل فرصة مهمة لتعزيز ثقافة العمل الحر والاستثمار في الأفكار المبتكرة، وأن تحويل المستهدفات المعلنة إلى برامج قابلة للتنفيذ من شأنه أن يفتح آفاقًا أوسع أمام الشباب، ويعزز مساهمة الشركات الناشئة في الناتج المحلي الإجمالي، ويدعم قدرة الاقتصاد الوطني على خلق فرص عمل جديدة خلال السنوات المقبلة.

أكد الدكتور ماجد غنيمة، الخبير البارز في بيئة ريادة الأعمال والابتكار ورئيس مجلس أمناء مبادرة «ستارت أب إيجيبت»، أن «الخطة التنفيذية لدعم ريادة الأعمال» تمثل نقطة تحول مفصلية واستحقاقاً تأخر كثيراً لنقل الشركات الناشئة من دائرة المشروعات التجريبية والحلول الهامشية إلى عمق الاقتصاد الإنتاجي المنظم.
وأوضح أن أهم ما تحمله هذه التحركات الحكومية هو كسر الفجوة التاريخية بين الابتكار المعملي ومتطلبات السوق الفعلية؛ إذ إن حصر ريادة الأعمال سابقاً في تطبيقات التجارة الإلكترونية والخدمات الاستهلاكية جعل القطاع شديد التأثر بالتقلبات والضغوط الاقتصادية، مشيراً إلى أن توجيه رواد الأعمال والتقنيات العميقة مثل الذكاء الاصطناعي نحو قطاعات حيوية كالتصنيع وسلاسل الإمداد والزراعة واللوجستيات هو السبيل الوحيد لبناء شركات ذات قيمة مضافة حقيقية قادرة على إحلال الواردات وتوليد تدفقات دولارية مستدامة للاقتصاد الكلي.
وشدد غنيمة على أن مبادرة حشد مليار دولار وتأسيس صندوق استثماري مشترك عبر «إن أي كابيتال» وبنك الاستثمار القومي، يُعد تدخلاً هيكلياً بالغ الذكاء؛ لكونه يوفر ما يُعرف بـ “رأس المال الصبور والمؤسسي” الذي تحتاجه الشركات في مراحل النمو الحساسة، لافتاً إلى أن التحدي الحقيقي في السوق المصري لم يكن يوماً ندرة الأفكار المبتكرة، بل تعثر الشركات في عبور مرحلة التوسع نتيجة غياب أدوات التمويل المشترك وتخارج المستثمرين.
وعن معضلة التراخيص و”المختبرات التنظيمية” ، نوه رئيس مجلس أمناء «ستارت أب إيجيبت» إلى أن انتقال الشركات من البيئات التجريبية إلى الحصول على رخص تشغيل دائمة يمثل الركيزة الأساسية لجذب صناديق رأس المال المخاطر الدولية المستهدفة بنحو 5 مليارات دولار؛ فالصناديق الكبرى لا تضخ استثماراتها في نماذج معلقة تنظيمياً، معتبراً أن وجود تنسيق موحد مع البنك المركزي واللجنة الوزارية لريادة الأعمال سيعطي المستثمر الأجنبي والمحلي اليقين القانوني والتشريعي الكامل لحماية استثماراته والتوسع بالنموذج المصري إقليمياً وقارياً.







