خلال السنوات الأخيرة، اجتاح تطبيق “تيك توك” (TikTok) العالم بقوة، واستطاع أن يجذب ملايين المستخدمين من خلال مقاطع الفيديو القصيرة والمحتوى الإبداعي الذي يقدّمه، وقد وصل عدد مستخدمي “تيك توك” عالميا إلى 2 مليار مستخدم تقريبا، منهم أكثر من مليار مستخدم نشط شهريا على المنصة.
وكما هو الحال مع أي منصة تواصل اجتماعي، فإن “تيك توك” لا يخلو من السلبيات، بل لن يكون الأمر مبالغا فيه إذا ما وصفناها بالكوارث!
مهزلة فرح “كروان مشاكل” تفجر الانتقادات حول “تيك توك” والمؤثرين
في مساء يوم 29 ديسمبر الماضي، في شبرا الخيمة بمحافظة القليوبية، تحول حفل زفاف صانع المحتوى محمد فتحي، الشهير بـ “كروان مشاكل”، إلى واحدة من أكثر القضايا تداولًا على السوشيال ميديا، بعد انتشار فيديوهات للفوضى والتدافع والتحرش الجسدي والجنسي، وصولا إلى تدخل الأمن، والقبض على عدد من الحضور.
شهد فرح “كروان مشاكل”، على حفيدة المطرب الشعبي الراحل شعبان عبد الرحيم، حضور كبير من مشاهير تيك توك ومطربي المهرجانات أدى إلى ازدحام شديد، كما تجمّع مئات الأشخاص أمام القاعة لمحاولة الدخول أو التصوير، ما تسبب في التدافع والفوضى، التي أدت إلى تلفيات داخل القاعة نتيجة الزحام الشديد.

وفي أعقاب حدوث وقائع تحرش، واشتعال النيران في سيارة قيل إنها تخص كروان مشاكل، والتي تم تسجيلها صوتا وصورة وبثها على الإنترنت، تم ضبط عدد من المتهمين فيها داخل القاعة، بعد تدخل أمني لفض التجمهر والسيطرة على الموقف بعد بلاغات متكررة بالمشادات والتعديات، وألقت قوات الأمن القبض على 12 شخصا على الأقل بتهم التحرش والتخريب، إلى جانب القبض على شقيق البلوجر كروان مشاكل وأصحاب القاعة لإدارتها بدون ترخيص.
ساهم الحضور الكبير من مشاهير تيك توك وأشباه المشاهير في جذب أعداد ضخمة من المتابعين، في مثال واضح على تضخم تأثير مشاهير السوشيال ميديا في واقعنا المصري اليومي، وسواء كان ما حدث مفتعلا لصناعة ترند أو نتيجة سوء تنظيم، ظل السؤال الأهم معلقا في الهواء: كيف ولماذا يحصل عديمو الكاريزما والموهبة وثقال الدم وأصحاب السوابق والمعلومات الجنائية و”المعتوهين” على هذا الدخل الكبير من منصات مثل “تيك توك”؟!
بيوت بلا خصوصية
في الوقت الذي تفشل فيه وسائل الإعلام التقليدية في جذب اهتمام جيل زد والجيل الأصغر من الألفية، يبرز تيك توك كمنصة رئيسية لاستهلاك الأخبار والترفيه والبحث وبناء المجتمعات الرقمية، ولعلك لا تعرف أن 30% تقريبا من البالغين في الولايات المتحدة الأمريكية يعتمدون عن تيك توك كمصدر للأخبار!
لم يعد تيك توك مجرد منصة فيديو، بل أصبح مكانا للتجمع، ومساحة للتعبير الحر، ومجتمع يجد فيه كثيرون الدعم الذي يفتقدونه في حياتهم الواقعية، وسوف تقابل آراء كثيرة من هذا الجيل تؤكد أن: “تيك توك هو المكان الوحيد الذي يشعرون فيه بأن لديهم أصدقاء”، لذلك كان طبيعيا أن يتصل المراهقون بأعداد هائلة بمكاتب أعضاء مجلس الشيوخ للاعتراض على حظر تيك توك في الولايات المتحدة.
في مصر، على سبيل المثال، أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي، وعلى رأسها تيك توك، موردا ماليا جيدا للغاية لكثير من الأسر التي تبث حياتها اليومية مباشرة على المتابعين، دون حياء في أغلب الأحيان، وقد شهدت السنوات الأخيرة صعودًا لافتًا لنمط جديد من الدخل يعتمد على البث المباشر للحياة اليومية عبر منصات مثل تيك توك وفيسبوك وإنستجرام ويوتيوب، ولم يعد هذا التحول مقتصرًا على المشاهير، بل أصبح وسيلة تعتمد عليها آلاف الأسر حول العالم — خصوصًا في آسيا والشرق الأوسط — لتأمين دخل ثابت أو إضافي.

وأصبح البث المباشر مربحًا بسبب سهولة الوصول للجمهور، وتشير البيانات إلى أن تيك توك وحده يجذب أكثر من 30 مليون مشاهد يوميًا للبث المباشر، وأن 80% من أرباح البث تأتي من حسابات أقل من 50 ألف متابع، ما يعني أن الأسر العادية يمكنها الربح دون أن تكون من المشاهير.
ومع نظام الهدايا الافتراضية والرقمية، التي يرسلها المشاهدون طوال لحظات البث، فإنها تتحول مباشرة إلى أموال، وهي المصدر الأكبر للدخل حتى الآن على المنصة. ويحقق تيك توك 10 ملايين دولار يوميا من البث المباشر، يذهب جزء كبير منها للمؤثرين والأسر التي تبث حياتها اليومية.
ولا شك أن معظم الجمهور يحب متابعة حياة الآخرين، خصوصًا الأسر التي تقدم محتوى بسيطًا مثل الطبخ والتنظيف واللعب مع الأطفال واليوميات الريفية، ونجح هذا النوع من المحتوى في خلق ارتباطًا عاطفيًا يجعل المشاهدين أكثر استعدادًا للدعم المالي.

والبث المباشر هو أكثر ربحية من الفيديوهات القصيرة، لأنه يعتمد على الدعم الفوري من الجمهور، كما أن بعض المنصات تتيح للمشاهدين الاشتراك شهريًا مقابل محتوى حصري أو دعم مباشر.
وعندما يزداد عدد المتابعين، تبدأ الشركات في تقديم رعايات أو منتجات لتظهر في البث، وعبر التسويق بالعمولة، تعرض بعض الأسر منتجات أثناء البث، وتحصل على نسبة من المبيعات. كل ذلك بتكلفة إنتاج شبه معدومة، فقط هاتف ذكي واتصال بالإنترنت، ويصبح لديك مشروعا مربحا يدر المال، فقط اترك جانبا خصوصية أسرتك، وأظهر تصالحا مع كشف عورات بيتك!
تحديات الإصابات الخطيرة والوفيات
شهدت منصة “تيك توك”، من بين العديد من منصات التواصل الاجتماعي الأخرى، عددا من أخطر التحديات، التي أدت إلى إصابات خطيرة ووفيات مؤكدة حول العالم، وقد ساعدت طبيعة المنصة القائمة على الانتشار السريع والتقليد في انتشار هذه التحديات بين المراهقين.
ويعد تحدي “الاختناق” (The Blackout Challenge) أخطر التحديات على الإطلاق، حيث يقوم المشاركون بخنق أنفسهم أو منع الأكسجين لفترة قصيرة بهدف الشعور بالدوار.
تسبب هذا التحدي في وفيات عديدة لأطفال ومراهقين في الولايات المتحدة وأوروبا، وسجّلت منظمات حقوقية أكثر من 80 حالة وفاة مرتبطة به.

وفي تحدي “كسر الجمجمة” (Skull Breaker Challenge) يقف ثلاثة أشخاص بجانب بعضهم، ويقوم الشخصان على الأطراف بركل قدمي الشخص في المنتصف لإسقاطه للخلف. أدى التحدي إلى كسور في الجمجمة، وإصابات في العمود الفقري، وحالات شلل مؤقت، وقد أبلغت المستشفيات في عدة دول عن مئات الإصابات.

وفي تحدي “صندوق الحليب” (Milk Crate Challenge) يبني المشاركون سلّمًا من صناديق الحليب ويصعدون عليه، وتسبب في كسور بالعظام، وإصابات في الركبة، وسقوط مميت، وحذرت المستشفيات الأمريكية من ارتفاع الإصابات لدرجة أنها أصبحت بمثابة “وباء صغير”، بحد وصفها.
أما تحدي “بنادول” أو “الأسيتامينوفين” (Benadryl Challenge) فقد شجع المستخدمين على تناول جرعات كبيرة من دواء مضاد للحساسية بهدف الهلوسة، وأدى ذلك إلى تسمم دوائي، وفشل في الأعضاء الحيوية، ووفيات مؤكدة بين المراهقين، وقد أصدرت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية تحذيرًا رسميًا.
ومن بين التحديات المجتمعية الخطيرة، يأتي تحدي “سرقة السيارات” (Kia/Hyundai Challenge)، حيث انتشر فيديو يشرح كيفية تشغيل سيارات كيا وهيونداي بدون مفتاح باستخدام كابل USB، وأدى إلى ارتفاع كبير في سرقات السيارات في عدة مدن أمريكية، وتسبب في حوادث سير قاتلة ووفيات نتيجة القيادة المتهورة.
ورغم كونها منصة ترفيهية بالأساس، أصبحت “تيك توك” بيئة خصبة لانتشار تحديات خطيرة تؤثر بشكل مباشر على سلامة المراهقين، ولا تقتصر الكارثة على التحديات فقط، بل في آلية الانتشار السريع وخوارزمية التوصية التي قد تدفع المستخدمين لمحتوى أكثر خطورة.
الترويج للمعلومات المضللة
في السنوات الأخيرة، أصبحت منصة تيك توك ظاهرة عالمية تجذب ملايين المستخدمين من خلال مقاطع الفيديو القصيرة، ورغم أن المنصة توفر مساحة للإبداع والترفيه والتواصل، إلا أنها تحمل جانبًا مقلقًا: انتشار المعلومات المضللة المتعلقة بالصحة النفسية.
فمع بحث الكثيرين عن التوجيه والدعم النفسي، يجدون أنفسهم أمام سيل من المحتوى الذي يقدّم نصائح غامضة، وممارسات ضارة، ومعلومات غير دقيقة.
تعتمد خوارزمية تيك توك على تخصيص المحتوى وفقًا لاهتمامات المستخدم، مما يؤدي غالبًا إلى تأثير يشبه “تفكير القطيع”، فعندما يبدأ المستخدم في استكشاف موضوعات الصحة النفسية، قد يجد نفسه محاطًا بمزيج واسع من القصص الشخصية، وأساليب للتعامل مع الضغوط، ونصائح للعلاج الذاتي، ورغم أن العديد من صناع المحتوى يشاركون تجاربهم بحسن نية، إلا أن غياب الرقابة يسمح بانتشار معلومات غير دقيقة أو مضللة.
من أخطر الجوانب تقديم بعض صناع المحتوى — ممن يفتقرون للخبرة المهنية —علاجات غير مثبتة لحالات مثل القلق والاكتئاب واضطرابات الأكل، وقد تشمل هذه النصائح أنظمة غذائية خطيرة وعلاجات غير علمية وممارسات قد تفاقم الحالة النفسية، وقد يعرض هذا النوع من المحتوى المستخدمين، خصوصًا الفئات الضعيفة، لمخاطر حقيقية.

ولأن طبيعة تيك توك قائمة على المقاطع القصيرة، فلا بد وأنها تؤدي إلى اختزال مفرط لموضوعات الصحة والاضطرابات النفسية المعقدة، والتي تتطلب تدريبًا متخصصًا، وتقييمًا فرديًا، وتدخلًا مهنيًا مناسبًا، بينما تؤدي المعلومات المضللة على تيك توك إلى تعزيز صور نمطية خاطئة، ووصم المصابين، والتقليل من أهمية طلب المساعدة المهنية.
ورغم جهود تيك توك للحد من المحتوى الضار، إلا أن العدد الهائل من الفيديوهات يجعل من المستحيل ضبط كل شيء، كما أن غياب نظام للتحقق من مؤهلات صناع المحتوى يسمح لغير المتخصصين بالظهور كخبراء، وهذا يزيد من انتشار المعلومات غير الدقيقة.
بالتأكيد تكون النتائج خطيرة للغاية، خاصة على المستخدمين الذين يعتمدون على المنصة للحصول على الدعم النفسي، فالمعلومات المضللة قد تدفعهم إلى تشخيص أنفسهم بشكل خاطئ، وتجاهل العلاج المهني، وتجربة ممارسات ضارة، ما يؤدي إلى تفاقم حالتهم النفسية وزيادة العزلة والمخاطر.
لخطورة ذلك، حذّرت منظمة العفو الدولية من أن خوارزمية “لك” (For You) في تيك توك قد تدفع الأطفال والشباب بسرعة نحو محتوى ضار يتعلق بالصحة النفسية، بما في ذلك مقاطع تُطَبِّع أو تُشَجِّع على الاكتئاب وإيذاء النفس والانتحار.
ويكشف تقريران جديدان للمنظمة أن نموذج عمل تيك توك نفسه — القائم على الإدمان وجمع البيانات — يشكّل خطرًا مباشرًا على المستخدمين الصغار.
وأجرت منظمة العفو الدولية، بالتعاون مع معهد الشفافية الخوارزمية وAI Forensics، بحثًا تقنيًا باستخدام حسابات آلية تمثل أطفالًا بعمر 13 عامًا في كينيا والولايات المتحدة.
وأكدت أبرز النتائج أنه بعد 5 إلى 6 ساعات من الاستخدام، أصبح نصف المحتوى تقريبًا متعلقًا بالصحة النفسية ومحتمل الضرر، ويعادل هذا الرقم 10 أضعاف ما يظهر للحسابات التي لا تُظهر اهتمامًا بالصحة النفسية.
وفي التجارب اليدوية، ظهر التأثير السيء بوتيرة أسرع بكثير، فخلال 3 إلى 20 دقيقة فقط، أصبح أكثر من نصف المحتوى متعلقًا بالاكتئاب أو إيذاء النفس، وظهرت عدة فيديوهات في ساعة واحدة تُطَبِّع أو تُشَجِّع على الانتحار.
أطفالنا في خطر
بفضل مقاطع الفيديو القصيرة والسريعة، أصبح تيك توك التطبيق المفضل لدى ملايين المراهقين حول العالم. ورغم شعبيته الكبيرة، من المهم التعرّف على الجانب المظلم لهذا التطبيق وكيف يمكن أن يؤثر على الأطفال.
يعد الافتراس الإلكتروني والتنمر الرقمي من أخطر ما يواجه الأطفال على تيك توك، حيث يمكن لأي شخص إنشاء حساب بسهولة، بما في ذلك أصحاب النوايا السيئة، ويستغل بعضهم المنصة لاستهداف الأطفال والتواصل معهم، كما أن التعليقات السلبية والرسائل المباشرة تجعل التنمر الإلكتروني أكثر انتشارًا وسهولة.

ورغم محاولات تيك توك لتصفية المحتوى، إلا أن الواقع مختلف، فمقاطع الفيديو البذيئة والعنيفة والموحية جنسيا تحقق انتشارا واسعا على المنصة، كما يتعرض المراهقون لمحتوى لا يناسب أعمارهم، مما يؤثر على سلامتهم النفسية والعاطفية.
ويعتمد تيك توك على خوارزمية مصممة لإبقاء المستخدمين أطول فترة ممكنة، لكي يقضي الأطفال ساعات في التمرير دون توقف، ويؤدي ذلك إلى اضطرابات النوم، وتراجع الأداء الدراسي، والعزلة الاجتماعية، كما قد يهمل الطفل هواياته وأنشطته الأساسية.
بالإضافة إلى ذلك، أصبح تيك توك بيئة خصبة لانتشار المعايير الجمالية غير الواقعية، والمقارنات المؤذية، والتحديات الخطيرة المتعلقة بالمظهر، ويتعرض الأطفال لضغط كبير لتقليد المؤثرين، مما يؤدي إلى انخفاض تقدير الذات، والهوس غير الصحي بالمظهر، والسلوكيات الخطيرة من أجل الانضمام للترند.
ويمتلك تيك توك صلاحيات واسعة للوصول إلى بيانات الجهاز، والموقع الجغرافي، ومعلومات حساسة أخرى، وهذا يجعل الأطفال عرضة لاختراقات البيانات، وسرقة الهوية، والاستخدام غير الواضح لمعلوماتهم الشخصية، كما أن سياسات جمع البيانات في التطبيق غير شفافة، ولا توجد ضمانات حقيقية لحماية خصوصية المستخدمين.
تيك توك سببا في “تعفن الدماغ”!
حذرت دراسة حديثة صادرة عن الجمعية الأمريكية لعلم النفس (APA) من أن الاستخدام المفرط لـ “تيك توك” — خصوصًا التمرير السريع المستمر — قد يؤدي إلى ما يُعرف اصطلاحًا بـ “تعفن الدماغ” (Brain Rot)، وهو مصطلح غير طبي لكنه يُستخدم لوصف تدهور الانتباه، وضعف الذاكرة، وانخفاض القدرة على التركيز، ولا تقول الدراسة إن الدماغ “يتعفن” حرفيًا، بل تشير إلى تأثيرات معرفية وسلوكية خطيرة مرتبطة بالاستخدام المفرط.
وأشارت الدراسة إلى أن التمرير السريع على تيك توك يعيد تشكيل دوائر المكافأة في الدماغ، وأن المحتوى القصير والسريع يدرّب الدماغ على البحث عن التحفيز الفوري، ويؤدي ذلك إلى انخفاض القدرة على التركيز على المهام الطويلة أو المعقدة، وكان المستخدمين الشباب هم الأكثر تأثرًا، لأن أدمغتهم لا تزال في مرحلة التطور، وأظهر بعض المشاركين علامات تشبه الإدمان السلوكي.
لكن، لماذا تيك توك تحديدًا؟
توضح الدراسة أن تيك توك يجمع بين خوارزمية فائقة التخصيص، ومقاطع قصيرة جدًا، ومكافآت فورية في صورة ضحك وصدمة وإثارة ومعلومات سريعة، مع تدفق لا نهائي من المحتوى.
تدفع هذه العناصر الدماغ للدخول في حالة “مطاردة مستمرة للمكافأة”، مما يقلل من القدرة على الصبر، والتحمل المعرفي، والتركيز العميق، والتفكير طويل المدى.

ومن علامات “تعفّن الدماغ”، التي رصدتها الدراسة، فقدان القدرة على التركيز لأكثر من دقائق قليلة، ونسيان سريع للمعلومات، والملل من أي محتوى طويل، مثل كتاب أو فيلم أو محاضرة، والحاجة المستمرة للتحفيز، وتشتت الانتباه حتى أثناء المحادثات، وانخفاض الأداء الدراسي أو المهني.
وتربط الدراسة الاستخدام المفرط لمنصة “تيك توك” بالقلق والاكتئاب واضطرابات النوم والإجهاد المعرفي وتشتت الانتباه المزمن، كما تشير إلى أن تيك توك قد يفاقم أعراض اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه (ADHD) لدى المراهقين.
ويمكن عكس هذه التأثيرات عبر تحسين الوظائف المعرفية، بحسب الباحثين، عن طريق تقليل وقت الشاشة، وممارسة أنشطة تتطلب تركيزًا عميقًا، والقراءة، وممارسة الرياضة، والنوم الجيد، لكن كلما طال الاستخدام المفرط، أصبح التعافي أبطأ.
تيك توك وغسيل الأموال
كانت قضية مخاطر غسل الأموال المرتبطة بتطبيق تيك توك محور نقاش جرى بين وزارة الخزانة الأمريكية ومسؤولين صينيين، وقد جاء هذا التحرك في ظل تزايد القلق من أن المنصة قد تُستغل في تحويل الأموال غير المشروعة عبر أدوات الدفع والميزات التجارية داخل التطبيق.
وتزايدت المخاوف الأمريكية بسبب الانتشار الهائل للتطبيق بين الشباب والمستهلكين عالميًا، وظهور أدوات مالية داخل التطبيق مثل الهدايا الرقمية، والمدفوعات، والتجارة المباشرة، وكذلك ضعف الرقابة على بعض المعاملات الصغيرة التي يمكن استخدامها لتبييض الأموال، والارتباط بالشركة الأم “بايت دانس” (ByteDance) الموجودة في الصين، ما يثير مخاوف تتعلق بالشفافية.
تجعل هذه العوامل تيك توك بيئة محتملة لعمليات مالية غير مشروعة يصعب تتبعها، وتشير التحليلات إلى عدة طرق محتملة، منها شراء الهدايا الرقمية بأموال غير مشروعة ثم تحويلها إلى أرباح نقدية، والتلاعب بالبث المباشر عبر إرسال “هدايا” كبيرة من حسابات مرتبطة بشبكات إجرامية، واستغلال TikTok Shop في عمليات بيع وهمية أو تضخيم مبيعات، واستخدام المؤثرين كواجهة لتحويل الأموال عبر صفقات مزيفة.
هذه الأساليب ليست جديدة في عالم الجريمة الإلكترونية، لكنها أصبحت أسهل عبر منصات مثل تيك توك.

وشهدت ولاية يوتا الأمريكية دعوى قضائية تتهم فيها تيك توك بأنه سمح باستخدام ميزة البث المباشر في التطبيق لتنفيذ عمليات غسل أموال عبر تحويلات مالية رقمية وهدايا افتراضية.
وسلطت الدعوى الضوء على ثغرات خطيرة في نظام الدفع داخل تيك توك، وتتهم الشركة بأنها لم تتخذ الإجراءات الكافية لمنع استغلال منصتها في أنشطة مالية غير مشروعة.
وأشارت الدعوى إلى أن مجرمين استغلوا الهدايا الرقمية التي يمكن شراؤها بأموال حقيقية، والتحويلات المالية عبر البث المباشر، والمدفوعات الصغيرة المتكررة، وضعف التحقق من هوية المستخدمين، من أجل تحويل أموال غير مشروعة إلى أرباح “نظيفة” عبر منشئي المحتوى.
وأوضحت الدعوى أن عملية غسيل الأموال عبر “تيك توك” تتم عبر خطوات مثل شراء الهدايا الرقمية بأموال غير قانونية، وإرسالها إلى حسابات معينة خلال البث المباشر، وتحويل الهدايا إلى أرباح نقدية عبر نظام الدفع الداخلي، وسحب الأموال إلى حسابات مصرفية تبدو شرعية، وهذه الطريقة تجعل تتبع مصدر الأموال الأصلي شبه مستحيل.
…
إن التأثير الضار والبالغ لمنصة تيك توك يتعدى الترفيه، فقد امتد ليشمل سلوك المستخدمين، والصحة النفسية، والضرر البالغ على الدماغ، إلى جانب اتهامات غسيل الأموال وصناعة التطرف وتمويل الأنشطة المشبوهة عبر تحويلات غير واضحة المصدر، ما يضيف بُعداً أكثر خطورة إلى حضور المنصة داخل المجال الرقمي. وفي ظل هذا المشهد المضطرب، تبدو الحاجة ملحّة لإعادة تقييم حجم التأثير الذي يُسمح لمثل هذه المنصات بممارسته على المجتمع، حمايةً للنشء، وصوناً للصالح العام.







