Follow ICT
شعار الموقع الاساسى
جايزة 160
جايزة 160

غصون العبيدلي تكتب: هل تخدم التكنولوجيا أهداف التنمية المستدامة

تُثيرُ التكنولوجيا الحديثة، من الذكاء الاصطناعي إلى التحول الرقمي، جدلًا متزايدًا حول دورها الحقيقي في تحقيق أهداف التنمية المستدامة. فبينما تُقدَّم بوصفها أداة لتسريع النمو وتحسين جودة الحياة، تتزايد المخاوف من أن تتحول إلى عامل يعمّق الفجوات بين الدول والمجتمعات بدل تقليصها.

تُظهر تقارير دولية أن التكنولوجيا قادرة على إحداث قفزات تنموية حقيقية. تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن الحلول الرقمية يمكن أن تسهم بشكل مباشر أو غير مباشر في دعم أكثر من 70% من أهداف التنمية المستدامة، خاصة تلك المتعلقة بالصحة، والتعليم، والطاقة، والعمل اللائق. ففي مجالات مثل الطب عن بُعد والتعليم الإلكتروني، مكّنت التكنولوجيا ملايين الأفراد من الوصول إلى خدمات كانت بعيدة المنال.

تكشف التجربة العالمية في المقابل عن وجه آخر أقل إشراقًا. فما يقارب 2.6 مليار شخص حول العالم ما زالوا يفتقرون إلى اتصال منتظم بالإنترنت، وفق بيانات حديثة، ما يعني أن فوائد الثورة الرقمية لا تصل إلى الجميع بالقدر نفسه. هنا، تتحول التكنولوجيا من أداة تمكين إلى عامل إقصاء، يعيد إنتاج فجوة رقمية تتقاطع مع الفقر والجغرافيا ومستوى التعليم.

تعزّز هذه الفجوة حين تُستخدم التكنولوجيا دون مراعاة للسياقات المحلية. فالابتكارات المصممة لاقتصادات متقدمة قد لا تلائم احتياجات المجتمعات النامية، أو قد تزيد من كلفة الخدمات بدل خفضها. كما أن الاعتماد المفرط على الحلول التقنية دون استثمار موازٍ في البشر قد يؤدي إلى نمو اقتصادي لا يواكبه تحسن اجتماعي حقيقي.

تُعيد التكنولوجيا أيضًا تشكيل مفهوم الاستدامة ذاته. ففي حين تسهم التقنيات الخضراء والرقمنة في تحسين كفاءة الطاقة وتقليل الانبعاثات، تشير تقارير بيئية إلى أن قطاع تكنولوجيا المعلومات مسؤول عن نحو 4% من الانبعاثات الكربونية العالمية، وهي نسبة مرشحة للارتفاع مع توسع مراكز البيانات واستهلاك الطاقة. هذا التناقض يطرح سؤالًا حول كلفة التقدم التكنولوجي على البيئة.

تفرض هذه المعادلة تحديًا سياسيًا وأخلاقيًا يتمثل في كيفية توجيه التكنولوجيا لخدمة التنمية الشاملة. فالتقنية بحد ذاتها محايدة، لكن نتائجها تتحدد وفق السياسات التي تحكمها. الاستثمار في البنية التحتية الرقمية، وتوسيع الوصول العادل للتكنولوجيا، وبناء المهارات المحلية، عوامل أساسية لتحويل الابتكار إلى أداة تقليص للفجوات لا توسيعها.

تُبرز تجارب ناجحة في عدد من الدول أن دمج التكنولوجيا ضمن استراتيجيات تنموية واضحة يمكن أن يحقق نتائج ملموسة. فعندما تُستخدم الحلول الرقمية لدعم التعليم الأساسي، وتحسين الخدمات الصحية، وتعزيز الشمول المالي، تصبح التكنولوجيا رافعة للتنمية لا بديلًا عنها. أما حين تُترك لقوى السوق وحدها، فقد تخدم فئات محدودة على حساب الأغلبية. يحدّد هذا الواقع الإجابة عن السؤال الجوهري: التكنولوجيا قادرة على خدمة أهداف التنمية المستدامة، لكنها قادرة بالقدر نفسه على إعادة إنتاج الفجوات. فالفارق لا تصنعه الأدوات، بل الخيارات. فحين تُوضع التكنولوجيا في خدمة الإنسان، وتُربط بالعدالة والاستدامة، تصبح جزءًا من الحل؛ وحين تُفصل عن هذه القيم، تتحول إلى جزء من المشكلة.

غصون العبيدلي

كاتبة وباحثة متخصصة في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي

The short URL of the present article is: https://followict.news/wje6