بدايةً، أعترف للقراء الكرام بأن هذا المقال لن يحاول استشراف مستقبل العمل بدقة أو تقديم حلول شاملة، لكنه سيناقش نقاطًا أرى أهميتها للتفكير بإيجابية وواقعية في مستقبل العمل وتحدياته.
الذكاء الاصطناعي ليس أول تهديد لمستقبل العمل وتوافر الوظائف، ولعل من أشهر الأمثلة السابقة الحركة «اللودية» التي فُسِّرت على أنها رفض للثورة الصناعية وما نتج عنها من آلات.
لم تتحقق المخاوف في الأمثلة السابقة على المدى الطويل، وذلك لأن الآلات المستحدثة كانت تساعد على القيام بالأعمال اليدوية والروتينية، مما أسهم في استحداث وظائف معرفية أكثر جودة وإعمالًا للعقل البشري، مع إعادة تدريب رأس المال البشري وتغيير تركيبته. والفرق في هذه الحالة هو التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي التوليدي، وبالتالي قدرة النماذج الجديدة على القيام بالعديد من هذه الأعمال المعرفية. ويتوقع الكثير من المختصين، نتيجةً لما سبق، تقليص الحاجة إلى عاملي المعرفة في شتى المجالات بشكل كبير.
في الوقت الحالي، لا يزال دمج الخبرة والعمل البشري مع أدوات ونماذج الذكاء الاصطناعي أكثر فائدة وجدوى اقتصادية، وهو ما يمكن أن يُسمّى سيناريو «التعزيز» -Augmentation or Complementarity-، لكن هذا قد يتغير بوصفه حقيقة أو انطباعًا في المستقبل.
ويتطلب هذا السيناريو إعادة تدريب رأس المال البشري في كثير من المجالات للاستفادة بالشكل الأمثل من تقنيات الذكاء الاصطناعي. كما يتطلب إعادة النظر في أساليب التدريس في الكثير من التخصصات، ليصبح الدمج بين العمل البشري والذكاء الاصطناعي أكثر عفوية وعملية، مع مراعاة أوجه القوة والقصور في الذكاء الاصطناعي وتقنياته. وفي رأيي، أن هذا النموذج هو الأمثل للاستفادة من الذكاء الاصطناعي.
في المقابل، يرى آخرون أن ما يمكن أن يُسمّى سيناريو «الاستبدال» -Replacement or Displacement-، وهو تسليم جميع الأعمال أو معظمها للذكاء الاصطناعي، سيكون مثاليًا للبشرية؛ إذ سيوفر ذلك عصر الوفرة والتوزيع الأمثل للموارد! ولذلك، ينادي البعض بضرورة توفير «دخل أساسي شامل» -Universal Basic Income – UBI بوصفه ضمانًا اجتماعيًا للجميع، لتغطية الحاجات الأساسية وإتاحة خيار التفرغ للمتعة. لكن ما سبق يغفل نقطة رئيسية في الطبيعة البشرية، وهي الحاجة إلى العمل وتقديم الفائدة للمجتمع؛ إذ إن معظم الناس، بفطرتهم، يحرصون على خدمة أسرهم أو مجتمعاتهم أو دولهم «أو الحصول على إعجابهم»، ويختلفون في ضيق الدائرة التي يسعون إلى خدمتها أو اتساعها.
في تقديري الشخصي، أن هذا الموضوع بحاجة إلى دراسات متعمقة، ليس فقط من خبراء التقنية والذكاء الاصطناعي والموارد البشرية لمعالجة الظواهر، وإنما أيضًا من علماء النفس والاجتماع لمعالجة الأساس، وهو كيف تستطيع البشرية أن تعيش حياة سعيدة ومنتجة دون العمل التقليدي. وإذا افترضنا أن الذكاء الاصطناعي سيوفر لنا اقتصاد «الوفرة» بشكل مثالي أو «طوباوي»، فإن العديد من المبدعين وأصحاب الهوايات سيتمكنون من التفرغ لها والاستمتاع بها، لكن ماذا عن البقية؟ بطبيعة الحال، هذه مجرد خواطر أحببت مشاركتها، والله أعلم بما يحمله المستقبل.
وعلينا أن نتذكر أن هدفنا في الحياة هو عبادة الله، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ -الذاريات: 56-. ومن عبادته عمارة الأرض، كما قال -عز وجل-: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ -هود: 61-، وهي مسؤولية ينبغي ألا نتنازل عنها للذكاء الاصطناعي.
عبدالرحمن مؤيد القرطاس
عضو سابق في مجلس إدارة “هيئة تنمية البحث والتطوير والابتكار







