وجّه أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لشركة Palantir Technologies، انتقادات لاذعة لنموذج الأعمال الذي تتبعه أبرز مختبرات الذكاء الاصطناعي الأمريكية، وعلى رأسها OpenAI وAnthropic، معتبرًا أن الاعتماد على تعظيم استهلاك “الرموز الرقمية” (Tokens) لم يعد نهجًا مستدامًا في ظل الارتفاع المتسارع لتكاليف تشغيل وتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي.
وتأتي تصريحات كارب في وقت يشهد فيه قطاع الذكاء الاصطناعي تحولًا متزايدًا من التركيز على إطلاق نماذج عملاقة أكثر قوة إلى البحث عن حلول تحقق عائدًا اقتصاديًا ملموسًا للشركات، مع استمرار تضخم تكاليف البنية التحتية اللازمة لتشغيل هذه النماذج.
وخلال مقابلة مع برنامج Squawk Box على شبكة CNBC، قال كارب: “لا أقصد انتقادهم، لكن هناك خللًا ما. فالعقلية السائدة لدى كثير من الشركات أصبحت قائمة على إضاعة الوقت في تعظيم استهلاك الرموز الرقمية.”
ما المقصود بـ”الرموز الرقمية” ولماذا أصبحت محل جدل؟
تعتمد معظم نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي، مثل ChatGPT وClaude، على وحدة قياس تعرف باسم الرمز الرقمي (Token)، وهي أجزاء صغيرة من الكلمات أو الأحرف يعالجها النموذج أثناء فهم النصوص أو توليدها.
ويمكن القول إن الرمز (Token) بالنسبة لشركات الذكاء الاصطناعي يشبه الدقيقة بالنسبة لشركات الاتصالات، الكيلووات/ساعة بالنسبة لشركات الكهرباء، الجيجابايت بالنسبة لشركات التخزين السحابي، أي أنه وحدة قياس للاستهلاك، وكلما زاد الاستهلاك زادت الإيرادات.
الـ Token هو أصغر وحدة نصية يفهمها نموذج الذكاء الاصطناعي. حيث أن النموذج لا يقرأ الكلمات كما يقرأها الإنسان، بل يقسم أي نص إلى أجزاء صغيرة تسمى Tokens.
معظم واجهات البرمجة (API) الخاصة بـ OpenAI وغيرها من شركات الذكاء الاصطناعي لا تُباع بالاشتراك الشهري، بل وفق عدد الرموز المستخدمة فالشركة تحاسب المطور على عدد Tokens التي يرسلها (Input Tokens). وعدد Tokens التي يولدها النموذج في الإجابة (Output Tokens). كلما زاد استخدام التطبيق، زادت الإيرادات.
وتحتسب غالبية شركات الذكاء الاصطناعي تكلفة استخدام نماذجها وفق عدد الرموز التي يستهلكها المستخدم عند إرسال الأوامر أو استقبال الإجابات، ما يجعل الإيرادات ترتفع كلما زاد حجم البيانات التي يعالجها النموذج.
لكن هذا النموذج الاقتصادي يواجه انتقادات متزايدة، إذ يرى عدد من قادة الصناعة أن التركيز على زيادة عدد الرموز المستهلكة لا يعني بالضرورة تحقيق قيمة حقيقية للعملاء، بل قد يؤدي إلى ارتفاع فواتير الاستخدام دون تحقيق مكاسب إنتاجية تتناسب مع التكلفة.
ويعتقد كارب أن المرحلة المقبلة ستشهد انتقال الشركات من تقييم حلول الذكاء الاصطناعي بناءً على حجم استخدامها إلى تقييمها وفق العائد على الاستثمار (ROI)، أي مقدار القيمة التجارية أو التشغيلية التي تحققها مقارنة بتكلفتها.

ارتفاع تكاليف النماذج يدفع الشركات إلى البحث عن بدائل
وتأتي هذه الانتقادات في ظل الارتفاع المستمر في تكلفة تطوير وتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة، والتي تتطلب استثمارات ضخمة في مراكز البيانات، ووحدات معالجة الرسومات (GPU)، واستهلاكًا مرتفعًا للطاقة.
ومع تزايد هذه النفقات، بدأت شركات عديدة تعيد النظر في استراتيجياتها، متجهة نحو تطوير نماذج أصغر وأكثر تخصصًا يمكن تدريبها على بياناتها الخاصة، بدلًا من الاعتماد الكامل على النماذج التجارية الضخمة التي تقدمها شركات مثل OpenAI وAnthropic.
كما يتزايد اهتمام المؤسسات بالنماذج مفتوحة المصدر، التي تمنحها مرونة أكبر في التعديل والتخصيص، مع تقليل تكاليف التشغيل والترخيص، وهو اتجاه يرى محللون أنه قد يعيد رسم خريطة المنافسة في سوق الذكاء الاصطناعي خلال السنوات المقبلة.
المنافسة الصينية تضغط على المختبرات الأمريكية
وحذر كارب أيضًا من التقليل من سرعة التقدم الذي تحرزه الشركات الصينية في مجال الذكاء الاصطناعي، مشيرًا إلى أن المنافسين في الصين يطورون نماذج متقدمة بوتيرة متسارعة قد تمكنهم من تقليص الفجوة مع المختبرات الأمريكية الرائدة.
وتعزز هذه المخاوف التطورات الأخيرة التي شهدها السوق، مع إطلاق شركات صينية نماذج مفتوحة المصدر تتمتع بأداء مرتفع وتكلفة أقل، ما يزيد الضغوط على الشركات الأمريكية للحفاظ على تفوقها التقني مع تقديم حلول أكثر كفاءة من الناحية الاقتصادية.
استراتيجية بالانتير: نماذج مخصصة بدلًا من الاعتماد على النماذج العامة
وتتبنى بالانتير نهجًا مختلفًا عن كثير من شركات الذكاء الاصطناعي، إذ تركز على بناء حلول ذكاء اصطناعي مخصصة للمؤسسات والجهات الحكومية، يتم تدريبها على بيانات العميل نفسه، مع الحفاظ على خصوصية البيانات وسيطرة المؤسسة الكاملة على بنيتها الرقمية.
وفي هذا السياق، أعلنت الشركة مؤخرًا توسيع شراكتها مع NVIDIA لتطوير حلول ذكاء اصطناعي مخصصة للوكالات الحكومية الأمريكية، مستفيدة من منصات الحوسبة المتقدمة وأدوات الذكاء الاصطناعي التي تطورها شركة صناعة الرقائق.
ويهدف هذا التعاون إلى تمكين الجهات الحكومية من تشغيل نماذجها داخل بيئاتها الخاصة، دون الحاجة إلى إرسال بياناتها الحساسة إلى مزودي الخدمات السحابية أو مختبرات الذكاء الاصطناعي الخارجية.
“سيادة الذكاء الاصطناعي”.. فلسفة جديدة لإدارة البيانات
وقبل تصريحات كارب بيوم واحد، نشرت بالانتير بيانًا من تسع نقاط عبر منصة X تناول مفهوم “سيادة الذكاء الاصطناعي” (AI Sovereignty)، وهو مفهوم يدعو المؤسسات إلى الاحتفاظ بالسيطرة الكاملة على بياناتها ونماذجها وبنيتها الحاسوبية، بدلاً من الاعتماد الكامل على مزودي خدمات الذكاء الاصطناعي.
وانتقد البيان نموذج “تعظيم الرموز” بوصفه نموذجًا تجاريًا يركز على زيادة الاستهلاك أكثر من تحقيق القيمة، داعيًا الشركات إلى امتلاك بياناتها وأدواتها التقنية باعتبارها أحد أهم الأصول الاستراتيجية في عصر الذكاء الاصطناعي.
وأكد كارب هذا التوجه بقوله: “ما يجمعنا مع إنفيديا، وما يريده عملاؤنا، هو أن يمتلكوا قدراتهم الحاسوبية ونماذجهم وبنية بياناتهم وبيئاتهم التجريبية. إنهم يريدون الاحتفاظ بوسائل الإنتاج، لا نقلها إلى طرف آخر.”
تغير في أولويات سوق الذكاء الاصطناعي
وتعكس تصريحات كارب تحولًا أوسع داخل صناعة الذكاء الاصطناعي، فبعد سنوات من التنافس على بناء أكبر النماذج وأكثرها استهلاكًا للموارد، بدأت المؤسسات تركز بصورة أكبر على الكفاءة التشغيلية، والتحكم في البيانات، وخفض التكاليف، وتحقيق عائد اقتصادي واضح من استثماراتها.
ويبدو أن المرحلة المقبلة لن تُحسم فقط بامتلاك النموذج الأقوى، بل أيضًا بامتلاك النموذج الأكثر كفاءة، والأقل تكلفة، والقادر على العمل داخل بيئة العميل مع الحفاظ على سيادته الرقمية، وهو اتجاه قد يعيد تشكيل المنافسة بين مختبرات الذكاء الاصطناعي العالمية ومطوري الحلول المؤسسية خلال السنوات القادمة.





