في فبراير 2020، أطلق الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تصريحه الشهير متوقعاً أن يختفي فيروس كورونا ببساطة مع حلول شهر أبريل وارتفاع درجات الحرارة. لم يكن ذلك مجرد تقدير سياسي خاطئ، بل كان نموذجاً كلاسيكياً لما يمكن تسميته «فشل الخيال»؛ تلك العلة المؤسسية القاتلة التي تجعل الحكومات عاجزة تماماً عن تصور سيناريوهات الكوارث قبل وقوعها الفعلي.
هذا العجز الفكري ذاته هو ما كشفته التحقيقات الرسمية عقب هجمات 11 سبتمبر 2001؛ فالأزمة لم تكن غياب المعلومات الاستخباراتية أو افتقار الخطط النظرية، بل في الفشل التام في تصور إمكانية تحويل طائرات ركاب مدنية مخطوفة إلى صواريخ موجهة تضرب أبراج التجارة ومقر البنتاغون. واليوم، أخشى أن العالم يهرول نحو الفخ عينه، وبوتيرة أشد خطورة، في تعاطيه مع الثورة المتفجرة لتقنيات الذكاء الاصطناعي.
إن الخطر الماثل أمامنا يتجاوز تعقيد الأوبئة والحروب التقليدية؛ فهذه التكنولوجيا لا تتطور بالسرعة البشرية، بل تتقدم «بسرعة السيليكون»، في الوقت الذي تتسلل فيه خوارزمياتها إلى أعماق البنى التحتية والمجالات الحيوية الأكثر حساسية. وما يبعث على القلق الحقيقي هو أن شركات التكنولوجيا الكبرى في الولايات المتحدة والصين لا تتحلى بالشفافية الكافية مع الجمهور؛ بل إنها تفتقر في واقع الأمر إلى فهم شامل ومحكم لحقيقة وقوة النماذج المتقدمة التي تُطلقها من مختبراتها، في مشهد أقرب إلى «السحرة الجدد» الذين استدعوا قوى عارمة لا يملكون آليات احتوائها أو السيطرة عليها إذا ما قررت التمرد.
يتفاقم هذا التحدي في ظل بيئة صنع قرار سياسي تبدو غير مؤهلة على الإطلاق؛ فالإدارة الأمريكية التي يميل رئيسها غالباً إلى إدارة شؤون الدولة وصياغة التوجهات الاستراتيجية عبر منصات التواصل والتفاعل مع التغطيات الإعلامية اللحظية، تفتقر إلى الأفق الرصين والمستنير المطلوب لفرض حوكمة استباقية تحول دون تحول هذه التقنيات إلى أدوات دمار شامل. وبموازاة ذلك، فإن التنافس الجيوسياسي المحتدم وأزمة الثقة المتجذرة بين واشنطن وبكين يفرضان جداراً عازلاً يجعل من الصعوبة بمكان—دون معجزة سياسية—التوصل إلى تعاون ثنائي لنزع فتيل الأزمات التقنية المقبلة.
إن تجنب الكارثة يقتضي صياغة خريطة طريق واضحة ترتكز على مسارين متوازيين: أولهما تحرك عاجل ومشترك بين واشنطن وبكين لتنسيق الجهود الدفاعية لحماية البنى التحتية الحيوية—من شبكات المياه والكهرباء والطاقة والإنترنت—ضد الهجمات السيبرانية عالمياً ومحلياً. وثانيهما الجلوس المباشر مع عمالقة التكنولوجيا لصياغة ميثاق طويل الأمد يوازن بدقة بين استمرار التنافس والابتكار من جهة، وفرض معايير أمان موحدة تحظر توليد مخاطر كارثية في القطاعات النووية، والبيولوجية، والسيبرانية، والمالية من جهة أخرى.
لقد لخص عالم السياسة فرانسيس فوكوياما هذا المأزق بالإشارة إلى أن التكنولوجيا قد تُوظف للبناء أو التدمير، في حين تنعدم حالياً الآليات الكافية لردع الاستخدامات الخبيثة سوى التعويل الهش على «حسن نوايا» المطورين. في المقابل، يجادل إريك بينهوكر، أستاذ الاقتصاد بجامعة أكسفورد، بأن التنظيم الصارم هو الضمانة الوحيدة لبناء الثقة ونمو الأسواق، تماماً كما حدث في صناعتي الطيران والدواء، محذراً بعبارة بليغة: «لقد أطلقنا داروين داخل وادي السيليكون»، في إشارة إلى نشوء نماذج برمجية تملك قدرات تكيف وتكاثر ذاتية تتجاوز الإدراك البشري.
إننا أمام ما وصفه عالم الكمبيوتر كريغ موندي بـ«نوع جديد تماماً من الكيانات»؛ وهو تحول يزداد وطأة حين تُدمج هذه العقول الخوارزمية في الروبوتات الميدانية، والطائرات المسيّرة، والمركبات الذاتية القيادة. هنا يصبح التمسك بالقاعدة الذهبية: «إبقاء الإنسان داخل دائرة القرار والتحكم» ضرورة وجودية لا تقبل المساومة، مستحضرين مقولة الرئيس الأسبق دوايت آيزنهاور: «الخطط لا قيمة لها، لكن التخطيط هو كل شيء».
إن تصور ظهور وكلاء ذكاء اصطناعي مستقلين، يمتلكون قدرات تفوق العقل البشري بأشواط ويخرجون عن السيطرة في أيدي جهات مارقة، ليس حبكة لفيلم من الخيال العلمي، بل هو السيناريو المرعب الذي يفرض علينا اختبار خيالنا الاستباقي ومواجهته بصرامة اليوم.. قبل أن نستيقظ غداً على واقع يستحيل احتواؤه.
توماس فريدمان
كاتب ومحلل أمريكي – «نيويورك تايمز»






