قبل أيام من اجتماع لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المصري، تتجه أنظار الأسواق والقطاع المصرفي إلى القرار المرتقب بشأن أسعار الفائدة، في وقت تتشابك فيه مؤشرات تراجع التضخم مع ضغوط سعر الصرف وارتفاع أسعار الطاقة عالميًا، لتضع صانعي السياسة النقدية أمام معادلة دقيقة بين احتواء الضغوط السعرية والحفاظ على جاذبية الاستثمار في أدوات الدين المحلية.
وبينما ترجح غالبية الخبراء ومؤسسات البحوث تثبيت أسعار الفائدة عند مستوياتها الحالية، لا يزال سيناريو رفع العائد بنسبة 1% مطروحًا، تحسبًا لتجدد الضغوط التضخمية أو تراجع التدفقات الأجنبية، خاصة مع تصاعد التوترات الجيوسياسية واحتمالات تغير اتجاهات السياسة النقدية العالمية.
ويأتي الاجتماع المرتقب في وقت سجل فيه التضخم السنوي في المدن المصرية تراجعًا إلى 13.9% خلال سبتمبر 2026، مقابل 14.5% في أغسطس، كما انخفض التضخم الأساسي إلى 14.1% مقابل 14.9% خلال الفترة نفسها.
لكن ارتفاع التضخم الشهري إلى 1.3%، مقارنة بـ0.1% في أغسطس، يعكس استمرار الضغوط على مستويات الأسعار، رغم التحسن في المؤشرات السنوية.
وفي المقابل، تفرض تحركات الدولار وارتفاع أسعار النفط إلى مستويات تتجاوز 100 دولار للبرميل تحديات إضافية أمام البنك المركزي، بالنظر إلى انعكاسها المحتمل على تكلفة الواردات والإنتاج والنقل، فضلًا عن تأثيرها على احتياجات البلاد من النقد الأجنبي.
وكانت لجنة السياسة النقدية قد أبقت، في اجتماعها يوم 24 سبتمبر الماضي، على سعري عائد الإيداع والإقراض لليلة واحدة عند 19% و20% على التوالي، للمرة الخامسة على التوالي، بعدما خفضت أسعار الفائدة بإجمالي 825 نقطة أساس منذ عام 2025، بما يترك أمامها مساحة للتريث قبل استئناف دورة التيسير النقدي.
توقعات التثبيت تسيطر على المشهد
رجح مصطفى شفيع، مدير إدارة البحوث بشركة أسطول القابضة، تثبيت أسعار الفائدة خلال الاجتماع المقبل، في ظل استمرار حالة عدم اليقين عالميًا وتصاعد التوترات الجيوسياسية، وما قد تفرضه من ضغوط على التضخم وسعر الصرف محليًا.
وأوضح أن التوترات المرتبطة بالعلاقات الأمريكية الإيرانية والتطورات الإقليمية تلقي بظلالها على أسواق الطاقة، مشيرًا إلى ارتفاع أسعار النفط ووصول خام برنت إلى مستويات 111 دولارًا للبرميل، وهو ما قد ينعكس على معدلات التضخم عالميًا ومحليًا.
وأضاف أن احتمالات اتجاه مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي إلى تشديد السياسة النقدية مجددًا تمثل أحد العوامل المؤثرة في قرار البنك المركزي المصري، في ظل عدم وضوح مسار أسعار الفائدة عالميًا واستمرار التوترات الاقتصادية والجيوسياسية.
من جهته، قال مينا رفيق، المحلل الأول بشركة برايم للاستثمار، إن الاقتصاد المصري أظهر مرونة في التعامل مع الصدمات الخارجية رغم تصاعد التوترات الجيوسياسية وارتفاع مستويات عدم اليقين
وأشار إلى تحول ميزان المدفوعات المصري إلى تحقيق فائض بنحو 2.8 مليار دولار خلال العام المالي 2025-2026، مقابل عجز بنحو 2.1 مليار دولار خلال العام المالي الأسبق، بالتزامن مع تحسن تقييمات مؤسسات التصنيف الائتماني ومرونة سعر الصرف.
وأضاف أن قرار تثبيت أسعار البنزين والسولار حتى نهاية ديسمبر 2026 ساهم في الحد من المخاوف المرتبطة بارتفاع معدلات التضخم، مرجحًا إبقاء البنك المركزي على أسعار الفائدة دون تغيير خلال الاجتماع المقبل.
بدورها، توقعت دينا الوقاد، محلل الاقتصاد الكلي، استمرار تثبيت أسعار الفائدة حتى نهاية 2026، لحين التأكد من استدامة تراجع التضخم.
وأوضحت أن انخفاض التضخم السنوي في المدن إلى 13.9% خلال سبتمبر، مقابل 14.5% في أغسطس، يقابله ارتفاع التضخم الشهري إلى 1.3%، بما يشير إلى استمرار الضغوط السعرية رغم التحسن المسجل على أساس سنوي.
ورجحت بدء خفض أسعار الفائدة خلال الربع الأول من 2027، حال استمرار تراجع التضخم، مع مراعاة تطورات أسعار الطاقة وسعر الصرف والتوترات الجيوسياسية.
الدولار والنفط يضيقان مساحة خفض الفائدة
توقع الخبير المصرفي محمد عبدالعال تثبيت أسعار الفائدة خلال الاجتماع المقبل، في ظل الضغوط التضخمية الناتجة عن ارتفاع أسعار النفط عالميًا إلى أكثر من 100 دولار للبرميل، مقارنة بالسعر التأشيري المحدد في الموازنة العامة عند 75 دولارًا، بالتزامن مع تجاوز الدولار مستوى 54 جنيهًا في البنوك.
وأوضح أن ارتفاع تكاليف الطاقة وتحركات سعر الصرف ينعكسان على نفقات الشحن والنقل والتصنيع، ويرفعان تكلفة استيراد السلع الاستراتيجية والمواد الخام والمحروقات، بما يزيد احتمالات انتقال الضغوط الخارجية إلى الأسعار المحلية.
وأشار إلى أن ارتفاع معدل التضخم الشهري في المدن إلى 1.3% خلال سبتمبر، مقابل 0.1% في أغسطس، يعزز الحاجة إلى التريث قبل اتخاذ أي قرار بخفض أسعار الفائدة.
وأضاف أن استمرار الضغوط السعرية يحد من فرص التيسير النقدي في الوقت الحالي، في ظل حاجة البنك المركزي إلى احتواء التضخم والحفاظ على القوة الشرائية للجنيه، وهو ما يرجح تثبيت أسعار العائد دون تغيير.
وفي السياق نفسه، توقعت سهر الدماطي، الخبيرة المصرفية، تثبيت أسعار الفائدة خلال الاجتماع المقبل، رغم تراجع التضخم، مشيرة إلى أن استمرار المخاطر الجيوسياسية والضغوط على الأسواق يدفعان البنك المركزي إلى التريث.
وأوضحت أن بقاء أسعار الفائدة الحقيقية عند مستويات موجبة يمنح البنك المركزي مساحة للإبقاء على العائد الحالي، كما يدعم جاذبية الاستثمار في أدوات الدين المحلية ويساعد على استقرار سوق الصرف، خاصة في ظل المنافسة على جذب التدفقات الأجنبية مع الأسواق الأمريكية.
من جانبه، رجح الدكتور محمد سيد، الخبير المصرفي، تثبيت أسعار الفائدة خلال الاجتماع المقبل، رغم تراجع معدلات التضخم السنوي.
وأوضح أن قرار لجنة السياسة النقدية لا يعتمد على اتجاهات الأسعار وحدها، بل يرتبط أيضًا باستقرار سعر الصرف وتدفقات الاستثمار الأجنبي، إلى جانب تكلفة الاقتراض على الدولة والقطاع الخاص.
وأشار إلى أن تراجع التضخم السنوي في المدن إلى 13.9% خلال سبتمبر، وانخفاض التضخم الأساسي إلى 14.1%، لا يلغي استمرار الضغوط السعرية، في ظل ارتفاع التضخم العام الشهري إلى 1.3%، مقابل 0.1% في أغسطس.
وأضاف أن التحدي أمام لجنة السياسة النقدية يتمثل في الاستفادة من تراجع التضخم دون التسرع في خفض أسعار الفائدة قبل التأكد من استدامة هذا المسار، مؤكدًا أن انخفاض المعدل السنوي لا يعني بالضرورة تراجع أسعار السلع والخدمات إلى مستوياتها السابقة.
ولفت إلى احتمالات ظهور ضغوط جديدة نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد أو تحركات سعر الصرف، وهو ما يعزز أهمية التريث في اتخاذ قرارات السياسة النقدية.
«إتش سي»: مخاطر عالمية تضغط على الجنيه رغم تحسن الاحتياطي
توقعت إدارة البحوث المالية بشركة «إتش سي» للأوراق المالية والاستثمار تثبيت أسعار الفائدة الرئيسية للإيداع والإقراض لليلة واحدة خلال الاجتماع المقبل، مدفوعة باستمرار المخاطر الجيوسياسية وعدم اليقين العالمي، رغم تحسن بعض المؤشرات الخارجية للاقتصاد المصري.
وقالت هبة منير، محلل الاقتصاد الكلي بالشركة، إن حالة عدم الاستقرار الاقتصادي والسياسي العالمي بدأت تضغط على مسار تحسن بعض المؤشرات الخارجية، رغم وصول صافي الأصول الأجنبية لدى القطاع المصرفي المصري إلى 31.2 مليار دولار بنهاية أغسطس، وارتفاع صافي الاحتياطي النقدي الأجنبي إلى 57.3 مليار دولار بنهاية سبتمبر.
وأضافت أن المخاطر الخارجية انعكست على تكلفة التأمين ضد مخاطر التخلف عن سداد الديون السيادية المصرية، إذ ارتفعت عقود مبادلة مخاطر الائتمان لأجل خمس سنوات إلى 343 نقطة أساس، مقارنة بأدنى مستوى لها عند 262 نقطة أساس في 28 أغسطس الماضي، كما تراجع الجنيه أمام الدولار بنحو 14% منذ بداية العام ونحو 5% منذ بداية الشهر، متجاوزًا ذروته السابقة عند 54.73 جنيه للدولار في 7 أبريل.
ورغم اعتقاد الشركة أن موجة انخفاض الجنيه الحالية مؤقتة، فإنها رجحت استمرار الضغوط حتى نهاية العام، نتيجة تداخل عوامل خارجية ومحلية، تشمل التوترات الجيوسياسية وتأثيرها على التدفقات الأجنبية، وارتفاع فاتورة واردات الطاقة والقمح، إلى جانب التزامات سداد الديون الخارجية ومستحقات شركات النفط الأجنبية العاملة في مصر.
وعلى المستوى المحلي، توقعت «إتش سي» تعرض سيولة النقد الأجنبي لضغوط خلال الربع الرابع من 2026، مع تحويل أرباح الشركات الأجنبية إلى الخارج بنهاية العام، واحتمالات زيادة واردات بعض السلع الغذائية استعدادًا لشهر رمضان.
وفيما يتعلق بالتضخم، أشارت منير إلى أن تثبيت أسعار البنزين والسولار حتى نهاية ديسمبر 2026 من شأنه المساعدة في الحد من الضغوط التضخمية، موضحة أن الشركة خفضت توقعاتها لمتوسط التضخم خلال الربع الرابع من 2026 إلى نحو 13%، مقابل 14.5% سابقًا.
في المقابل، رفعت الشركة توقعاتها لمتوسط التضخم خلال 2027 إلى 11.5%، مقارنة بـ10.9% في تقديراتها السابقة، في انعكاس لاستمرار مخاطر الضغوط التضخمية المرتبطة بعدم الاستقرار العالمي.
وأضافت أن سوق الدين المصري لا يزال يتمتع بجاذبية نسبية، في ظل بلوغ العائد على آخر طرح لأذون الخزانة لأجل 364 يومًا نحو 25.91%، بما يعكس عائدًا حقيقيًا إيجابيًا وفق تقديرات الشركة للتضخم، حتى بعد احتساب ضريبة بنسبة 15% للمستثمرين الأوروبيين والأمريكيين.
وبناءً على استمرار جاذبية أدوات الدين المحلية والمخاطر الجيوسياسية، أكدت «إتش سي» توقعاتها بالإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير خلال الاجتماع المقبل.
رفع الفائدة بنسبة 1%.. سيناريو احترازي لمواجهة الضغوط
في المقابل، توقع الخبير المصرفي ماجد فهمي رفع البنك المركزي المصري أسعار الفائدة بنحو 1% خلال الاجتماع المقبل، في ظل احتمالات تجدد الضغوط التضخمية نتيجة صعود الدولار أمام الجنيه وتداعيات التوترات الجيوسياسية.
وأوضح أن رفع الفائدة قد يسهم في الحفاظ على جاذبية الاستثمار في أدوات الدين المصرية والحد من خروج الاستثمارات الأجنبية، خاصة إذا اتجهت أسعار الفائدة إلى الارتفاع في الأسواق العالمية أو الأسواق المنافسة على التدفقات الاستثمارية.
ويعكس هذا التباين في التوقعات صعوبة المفاضلة أمام لجنة السياسة النقدية بين تثبيت العائد للاستفادة من تراجع التضخم وتجنب زيادة تكلفة التمويل، وبين اللجوء إلى تشديد السياسة النقدية إذا تصاعدت الضغوط على سعر الصرف أو التدفقات الأجنبية.
وبينما يظل التثبيت السيناريو الأرجح وفق غالبية الآراء المطروحة، ستبقى تحركات التضخم الشهري وأسعار الطاقة والدولار، إلى جانب تطورات السيولة الأجنبية وجاذبية أدوات الدين، عوامل رئيسية في تحديد اتجاه القرار المرتقب، وكذلك توقيت استئناف دورة خفض الفائدة خلال عام 2027.







