أكد الدكتور رامي يسري، الخبير والاستشاري في تكنولوجيا المعلومات، أن العالم يعيش اليوم حقبة ما يُعرف بـ “الاستعمار الرقمي الخفي”، حيث تحولت البيانات وانتباه الأفراد وقراراتهم اليومية إلى الثروة الأساسية التي تتنافس عليها إمبراطوريات التكنولوجيا العابرة للقارات، مشيراً إلى أن مفهوم الأمية في العصر الحالي لم يعد يقتصر على الجهل بالقراءة والكتابة، بل أصبحت الأمية هي العجز عن فهم كيفية تحكم التكنولوجيا في السلوكيات وتداولها في السوق الرقمي.
الاستعمار الرقمي: إمبراطوريات بلا حدود جغرافية
وأوضح يسري، الحائز على الدكتوراه في التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، أن الإمبراطوريات التكنولوجية الجديدة لا تُقاس بمساحات الأراضي، بل بمليارات المستخدمين وحجم البيانات المتدفقة عبر خوادمها، حيث نجحت شركات عملاقة مثل أمازون وميتا وآبل وجوجل في بناء ما يُعرف بـ “الأنظمة البيئية الرقمية” (Ecosystems)؛ وهي شبكات متكاملة من الخدمات تحيط بالمستخدم من كل جانب وتستحوذ على انتباهه وتتحكم في بياناته، بما فيها أدق تفاصيل الحياة اليومية للمستخدمين من الاستيقاظ على منبه الهاتف وصولاً إلى البحث عبر المحركات وروبوتات المحادثة واستخدام الخرائط وبرامج العمل، مؤكداً أن هذه التطبيقات أصبحت محاصِرة للأفراد في شبكة يصعب الانفصال عنها.
ولفت المدرب الدولي والمستشار التدريبي المعتمد من كامبريدج البريطانية إلى أن هذه الشركات لا تبيع أدوات تقنية أو تقدم خدمات بالمجان فحسب، بل تمتلك سلطة توجيه ما يراه المستخدم وتساهم بفاعلية في تشكيل شخصيته واهتماماته وآرائه وفقاً لخوارزمياتها.

عقود الإذعان: وهم الاختيار في الفضاء الرقمي
وفي سياق متصل، تطرق الدكتور رامي يسري إلى المفهوم القانوني للاتفاقيات الرقمية، مؤكداً أنها تُصنف كـ “عقود إذعان”، حيث يملي الطرف الأقوى شروطه بالكامل عبر صفحات الشروط والبنود، ولا يملك الطرف الأضعف (المستخدم) عند الضغط على زر “أوافق” سوى القبول المطلق أو الحرمان من الخدمة، مما يجبره على منح صلاحيات تتبع الموائم الجغرافية والاهتمامات وتداول البيانات مع شركات أخرى لضمان البقاء متصلاً بالشبكة.
وحذر يسري من النقلة النوعية التي أحدثها الذكاء الاصطناعي التوليدي (Generative AI)، حيث تحولت البيانات من وضع “الساكن” إلى الغذاء الرئيسي لتغذية وتدريب النماذج الذكية لتوقّع السلوك وإنتاج محتوى جديد.
وشدد على خطورة تقنيات مثل “التزييف العميق” (Deepfakes) التي تنتج صوراً وأصواتاً مفبركة بدقة يعجز العقل البشري عن تمييزها، متسائلاً عن المسؤولية القانونية عند حدوث الضرر وحق الشركات في استغلال البيانات دون إذن صريح.

بين الحراك العالمي والجهود المصرية: تنظيم الفوضى الرقمية
وعلى صعيد التحركات التشريعية والتنظيمية لمواجهة الفوضى الرقمية، استعرض يسري أبرز الجهود الدولية والمحلية، فعلى الصعيد الدولي، يعد إقرار الاتحاد الأوروبي لـ “قانون الذكاء الاصطناعي” (EU AI Act) أول إطار تشريعي صارم دخل حيز التنفيذ في أغسطس 2024 لضبط سلوك الشركات، إلى جانب إصدار الولايات المتحدة لإطار (NIST) عام 2023 للحوكمة والشفافية.
ومحلياً، قامت مصر بصياغة مسودة “أخلاقيات الذكاء الاصطناعي” ضمن رؤية مصر 2030 لضمان السيادة التكنولوجية، وبناء قدرات العنصر البشري وتوطين التقنيات الحديثة كخط دفاع أول.
وتضمنت التحركات الحكومية المصرية الأخيرة إعلان الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، عن انتهاء اللجنة المختصة من إعداد مسودة قانون جديد لمواجهة مخاطر مواقع التواصل الاجتماعي وتعديل التشريعات القائمة تمهيداً لإحالتها إلى مجلس النواب، وهو ما يعد تطوراً مهماً لتحديث الإطار التشريعي المنظم للبيئة الرقمية.

وشبه الدكتور رامي يسري التحول الرقمي بـ “قطار فائق السرعة” تمثل فيه التكنولوجيا المحرك القوي، بينما يمثل الإطار التشريعي والتنظيمي والوعي المجتمعي السكة الحديدية، محذراً من أنه إذا زادت سرعة المحرك وكانت السكة الحديدية قديمة أو غير مكتملة، فإن القطار يواجه خطر الانحراف وخروج التكنولوجيا عن السيطرة، مشدداً على أهمية التوعية لتطوير “السكة الحديدية” التشريعية والسلوكية لتتحمل السرعة بأمان.
وطرح يسري سؤالين جوهريين يجب على كل مستخدم توجيههما لنفسه:
- مَن الذي تركته الآن لتصفح الإنترنت (الأسرة، الأصدقاء، العمل).. ولماذا؟
- كم من الوقت استهلكت، وماذا فقدت في المقابل.. ولماذا؟
واختتم الخبير التكنولوجي تحليله بتقديم دليل عملي يتضمن 8 نصائح فورية لحماية الحياة الرقمية:
- تقليم الأذونات (Permissions): مراجعة إعدادات الهاتف ومنع الوصول للكاميرا والميكروفون والموقع إلا للضرورة القصوى.
- التنظيف الرقمي الدوري: حذف التطبيقات غير المستخدمة وإغلاق الحسابات القديمة لتقليل حجم البيانات المتاحة.
- إيقاف فخ الإشعارات: جعل الهاتف صامتاً وحصر الإشعارات على الرسائل الهامة وتطبيقات العمل لعدم سرقة الانتباه.
- تقنين “وقت الشاشة”: استخدام أدوات مثل (Digital Wellbeing) أو (Screen Time) لوضع حد أقصى للاستخدام.
- الحذر من روبوتات المحادثة: التعامل مع (ChatGPT) و(Gemini) كساحات عامة بعدم مشاركة بيانات مالية أو أسرار عمل أو معلومات حساسة.
- تفعيل التفكير النقدي: عدم مشاركة الأخبار أو الصور دون التحقق من المصادر الرسمية للحماية من التزييف العميق.
- استخدام أدوات حماية الخصوصية: الاعتماد على متصفحات تمنع التتبع وتستبعد الإعلانات لتقليل البصمة الرقمية.
- الاستثمار في الواقع: مواجهة العزلة بتعزيز الأنشطة الرياضية والاجتماعية الواقعية بعيداً عن الشاشات.
وأكد الدكتور رامي يسري في ختام حديثه أن العالم الرقمي ليس خيالاً علمياً بل واقع حقيقي يعيشه الجميع، مشدداً على أن التكنولوجيا إما أن تكون أداة للبناء والتطوير أو سلاحاً يفرض الهيمنة والاستعمار الرقمي، وأن الخيار يبدأ دائماً من وعي المستخدم وسلوكه الرقمي.






