في وقت يمر فيه العالم بتحولات دراماتيكية أعادت رسم حدود الصراع من الميادين التقليدية إلى مراكز البيانات وسلاسل توريد المعلومات، يبرز تساؤل جوهري حول قدرة الدول على الصمود الرقمي، فبينما تتعرض البنية التحتية السحابية في بعض قوى الإقليم لتهديدات عسكرية مباشرة وهجمات بمسيّرات استهدفت مراكز بيانات عالمية، بدأت خارطة الثقة الرقمية في التحول بالمنطقة والعالم.
هذا التحول لا يبحث فقط عن السرعة أو التقنية، بل يبحث بالأساس عن الجغرافيا الامنة والاستقرار السيادي، وهنا تجد مصر نفسها أمام لحظة تاريخية فارقة، فالموقع الذي جعل منها تاريخيا ممرا للتجارة العالمية عبر قناة السويس، يمنحها اليوم الفرصة لتكون الملاذ الرقمي الأوحد في منطقة تموج بالاضطرابات الشديدة.
فمفهوم السيادة الرقمية في مصر لم يعد مجرد مصطلح تقني، بل تحول إلى استراتيجية دفاعية واقتصادية متكاملة، فبينما تعاني دول الجوار من مخاطر الارتهان التقني لمزودين عالميين قد يسحبون خدماتهم أو تتعرض منشآتهم للقصف، تقدم مصر نموذجا قائما على الحياد الاستراتيجي والاستقرار الجغرافي فامتلاكها لأكثر من 17 كابلا بحريا يربط الشرق بالغرب ليس مجرد رقم، بل هو بنية تحتية تجعل من مصر قلب الإنترنت النابض، ولكن في ظل الواقع الجديد، لم يعد كافيا أن تمر البيانات عبر مصر بل يجب أن تستقر فيها.
فالتوجه المصري نحو توطين مراكز البيانات العملاقة يتجاوز الطموح الاقتصادي إلى بناء حصانة رقمية إقليمية، فالدول الأفريقية والعربية باتت تبحث عن مركز لاستضافة بياناتها السيادية بعيدا عن مناطق التماس العسكري، ومصر بفضل عمقها الجغرافي واستقرارها السياسي، تقدم نفسها كخيار استراتيجي لا بديل عنه.

فنحن نتحدث عن تحول مصر إلى مركز إقليمي لتعافي البيانات، حيث يمكن للشركات والحكومات في المنطقة الحفاظ على استمرارية أعمالها عبر السحب المصرية في حال وقوع كوارث جيوسياسية في بلدانها، وهذا هو جوهر قناة السويس الرقمية أن تصبح مصر هي المستودع الآمن للعقل الرقمي العالمي، مستفيدة من قوانين حماية البيانات الحديثة، وتوافر مصادر الطاقة المتنوعة، والأهم من ذلك، الأمن المادي الذي افتقدته مراكز البيانات في مناطق صراع أخرى.
ويرى خبراء ومحللون أن التحول الدراماتيكي في العقيدة الأمنية الرقمية بالمنطقة يمنح مصر أفضلية تنافسية غير مسبوقة، فبينما تقاس كفاءة مراكز البيانات عالميا بمعايير تقنية مثل، باتت اليوم تقاس بمعيار المرونة الجيوسياسية، ويؤكد هؤلاء أن استهداف الأصول المادية الرقمية في بعض دول الجوار أثبت أن الوفرة المالية لا تغني عن العمق الاستراتيجي، وهو ما يضع مصر في صدارة المشهد كمنطقة استقرار تقني، مشيرين إلي أن الدولة المصرية تتبنى حالياً فلسفة تنويع المخاطر عبر توزيع جغرافيا مراكز البيانات لتشمل مدن القناة والدلتا والمدن الجديدة، مما يجعل من البنية التحتية الرقمية المصرية شبكة عصبية يصعب اختراقها أو شلها ماديا، ويحول مصر من مجرد ترانزيت للبيانات إلى قاعة عمليات إقليمية قادرة على إدارة تدفقات المعلومات في أصعب الظروف السياسية.
ونوه الخبراء إلى أن مصر تسعى لصياغة إطار تشريعي وتقني يضمن استمرارية الخدمات الحيوية بعيدا عن تقلبات التحالفات الدولية، موضحين أن هذا التوجه يهدف إلى جذب كبار مزودي الحوسبة السحابية ليس فقط لخدمة السوق المحلي، بل لتكون مصر الملاذ الآمن الذي يحمي بيانات الدول العربية والأفريقية من مخاطر القطع القسري أو الاستهداف العسكري، ومن خلال الربط بين محطات الطاقة المتجددة العملاقة ومنظومة الكابلات البحرية، تبرز مصر كوجهة مثالية للاستثمارات الرقمية الخضراء والآمنة في آن واحد، وهو ما يسهم في إعادة رسم خارطة القوى الرقمية في الشرق الأوسط.
ويشهد عدد مراكز البيانات في مصر نموا هو الأكبر في أفريقيا، في إطار بناء منظومة وطنية متكاملة لمراكز البيانات، تشمل مراكز بيانات حكومية بنسبة 100%، وكذا مراكز بيانات بمساهمة حكومية حاكمة، فضلًا عن مراكز بيانات القطاع الخاص وجهات مستقبلة؛ والتي تتضمن مراكز البيانات الخاصة بالقطاعات المصرفية وشركات الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات وغيرها، ذلك وفق استراتيجية الدولة للنهوض بعمليات الربط والتحول الرقمي.
وجاءت أبرز هذه الخطوات في افتتاح الرئيس السيسي العام الماضي مركز البيانات والحوسبة السحابية الحكومية بطريق العين السخنة، ومركز البيانات الرئيسي للدولة ومركز البيانات التبادلي بالتعاون مع ما يزيد على 30 شركة عالمية متخصصة، وتوقيع الحكومة مراسم توقيع عقد الأرض الخاصة بإنشاء مركز كيميت للبيانات داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس بتكلفة مليار دولار لتقديم خدمات الحلول السحابية وإنترنت الأشياء والتحول الرقمي.

قال الدكتور محمد حجازي إن مصر تمتلك اليوم فرصة استراتيجية غير مسبوقة لتكريس مكانتها كـ “قلعة رقمية” في المنطقة، خاصة مع تحول البنية التحتية الرقمية من مجرد منصات خدمية إلى أهداف مادية مباشرة في قلب الصراعات المسلحة؛ فاستهداف مراكز البيانات في دول الجوار عبر الطائرات المسيّرة يفرض على صناع القرار في مصر تسويق “العمق الجغرافي والأمني” المصري كضمانة حتمية، حيث لم يعد تأمين الشبكات بالبرمجيات كافيًا، بل أصبح تحصين الأصول المادية وتأمين سلاسل توريد الطاقة جزءًا لا يتجزأ من استراتيجية مصر لجذب الاستثمارات التي تبحث عن ملاذ آمن ومستقر بعيدًا عن مناطق التماس العسكري.
وأضاف حجازي أن تصنيف منطقة الخليج كمنطقة صراع رقمي نشط يغير بشكل جوهري معادلة المخاطر لشركات التكنولوجيا الكبرى الـ (Hyperscalers)، وهو ما يفتح الباب لمصر لاستقطاب هذه الشركات لتبني نموذج “البنية التحتية الموزعة” بالقرب من نقاط هبوط الكابلات البحرية في مدن القناة والإسكندرية؛ فهذا التوزيع الجغرافي يقلل من احتمالات الشلل الكامل للمنظومة السحابية الإقليمية ويحول دون تحول مراكز البيانات إلى “نقاط تركز” مغرية للاستهداف، مما يعزز من ثقة المستثمر العالمي في قدرة مصر على حماية الأصول الرقمية والذكاء الاصطناعي في بيئة جيوسياسية متوترة.
وأوضح أن تآكل مفهوم «الحياد التقني» نتيجة ارتباط الشركات العالمية بعقود دفاعية مع أطراف في نزاعات دولية يمنح مصر ميزة تنافسية كـ “طرف ثالث موثوق”؛ إذ يمكن للدولة المصرية تقديم بيئة استضافة محايدة تضمن للدول والشركات عدم تسييس بياناتها أو تعرض مرافقها لهجمات انتقامية ناتجة عن هوية المزود التقني، مؤكدًا أن الاعتماد على السحابة السيادية المصرية يمثل الحل الأمثل للخدمات الحكومية والسيادية التي تتطلب مرونة وصمودًا داخل الحدود الوطنية، بعيدًا عن مخاطر “قطع الخدمة” أو الضغوط السياسية الدولية العابرة للحدود.
وأشار حجازي إلى أن مصر مؤهلة لقيادة نموذج «التوطين المرن» أو النسخ الاحتياطي الجيوسياسي، لتصبح المركز الإقليمي لتعافي البيانات واستمرارية الأعمال للدول المجاورة والقارة الأفريقية؛ فمن خلال استضافة نسخ سيادية مشفرة من بيانات هذه الدول داخل الحدود المصرية، نضمن لها الوصول لمعلوماتها الحيوية في حال وقوع كوارث أو نزاعات ببلدانها، وهو ما يحول الميزة الجغرافية المصرية إلى “صمام أمان” معلوماتي يربط القارات الثلاث ويحمي العقل الرقمي الإقليمي من مخاطر الانهيار في أوقات الأزمات.
وأكد حجازي على أن القوة المصرية تكمن في صياغة إطار تشريعي يضمن «حصانة دبلوماسية للبيانات» المستضافة على أراضيها، بحيث تُعامل البيانات الوطنية للدول الشريكة كأرض سيادية لا تخضع للاختصاصات القضائية الأجنبية؛ فهذا الدرع القانوني، بالتوازي مع تبني نموذج «السحابة السيادية المعزولة» (Air-Gapped Cloud)، سيمكن مصر من أن تكون “حارس البيانات” الأول في الشرق الأوسط، حيث توفر الحماية التقنية والسيادية اللازمة ضد أي تدخلات استخباراتية أو تهديدات مادية، محولةً الاعتماد التكنولوجي الخارجي إلى استقلالية رقمية مستدامة.

أكد الدكتور حمدي الليثي أن مصر تمتلك اليوم فرصة استراتيجية لتكريس مكانتها كحلقة وصل عالمية فائقة التأمين، مستندة إلى عبقرية المكان التي منحتها الأفضلية في جغرافيا الكابلات البحرية وتبادل المعلومات؛ فالموقع الذي جعل من مصر شرياناً للملاحة الدولية، يؤهلها اليوم لتكون “المستودع الرقمي” الأكثر موثوقية، خاصة في ظل التوترات التي تطال البنية التحتية في المنطقة، مما يجعل من استقرار المسارات المصرية الخيار الأول للمؤسسات الدولية الباحثة عن تدفقات بيانات لا تقبل الانقطاع.
وأوضح الليثي أن تحول مصر إلى نقطة ارتكاز عالمية للكابلات البحرية يتجاوز فكرة “الترانزيت” ليصل إلى مفهوم الاستضافة السيادية؛ إذ إن تكثيف الدولة لجهودها في زيادة عدد الكابلات وتعزيز البنية الرقمية يضعها في مأمن من مخاطر الارتهان لمسارات محدودة. وفي ظل سعي الشركات العالمية لتنويع ممراتها بعيداً عن بؤر النزاع، تبرز مصر كوجهة توفر البدائل التقنية الجاهزة، مما يعزز من صمود المنظومة المعلوماتية المصرية أمام أي اضطرابات قد تعصف بسلامة المسارات المجاورة.
وأضاف أن القيمة الحقيقية للتوجه المصري تكمن في تأسيس مراكز بيانات ضخمة تقدم خدمات نوعية، وليست مجرد ممرات للعبور؛ فمصر قادرة على استثمار طاقاتها البشرية لتحقيق عوائد اقتصادية تضاعف عوائد المرور التقليدية، خاصة عند تحولها إلى محطة رئيسية لتزويد القارة الأفريقية بالبيانات. هذا التوجه يحول مصر إلى صمام أمان معلوماتي للأسواق الناشئة، ويوفر بيئة استثمارية محصنة بالتشريعات الحديثة وقوانين حماية تداول المعلومات التي باتت عنصراً حاسماً في اختيار مقرات الاستثمارات التقنية الكبرى.
وشدد الليثي على أن المنافسة الإقليمية المتصاعدة تفرض على مصر المضي قدماً في استراتيجية “التوسع الديناميكي” لضمان ريادتها؛ فبينما تحاول قوى أخرى في المنطقة استغلال جغرافيتها، يظل المزيج المصري بين الموقع والبنية الأساسية هو الأكثر تأهيلاً للصدارة. إن الشراكات الدولية التي تبرمها الدولة وإطلاق كابلات بحرية جديدة يحدان من فرص المنافسين، ويؤكدان على دور مصر كمركز إقليمي مستدام يلبي احتياجات العملاء في أكثر الظروف الجيوسياسية تعقيداً.
وأشار إلى حتمية التعامل مع ملف البنية التحتية الرقمية بمنهج علمي يقوم على إجراء دراسات دقيقة لضمان استمرارية الأعمال في حال تعرض أي مسار للاضطراب؛ فهذا النوع من “التخطيط الاستباقي” يضمن متانة المنظومة المصرية أمام التحديات المتزايدة، ويسمح بتقديم ضمانات عالمية حول جودة الأداء والأمان. ومن خلال التكامل بين القطاعين العام والخاص في تطوير شبكات الألياف الضوئية، تترسخ مكانة مصر كبنية صلبة قادرة على استيعاب الانفجار في حجم البيانات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
واختتم الليثي بالتأكيد على أن مصر تشهد حالياً أسرع معدل نمو في عدد مراكز البيانات على مستوى القارة، بمعدلات تتجاوز ضعف المتوسط العالمي، وهو ما يثبت جدوى الرؤية الوطنية؛ فهذا النشاط في تدشين المراكز العملاقة يعظم من العوائد السيادية المرتبطة بالكابلات البحرية، ويجعل من مصر المستودع المعلوماتي الأكثر ثقة في الشرق الأوسط، والقادر على تحويل التحديات المحيطة إلى ركائز قوة تدعم مكانة الدولة في الفضاء الرقمي العالمي.

من جانبه قال المهندس محمد عبد الفتاح إن مصر تبرز اليوم كـ “قلعة رقمية صامدة” في قلب إقليم يموج بالاضطرابات، حيث تمثل مراكز البيانات والحوسبة السحابية التي أطلقتها الدولة مؤخراً خطوة نوعية استباقية لتأمين السيادة الرقمية؛ ففي وقت باتت فيه البنية التحتية المعلوماتية في بعض دول المنطقة أهدافاً مادية مباشرة للصراعات، تقدم مصر نموذجاً فريداً يرتكز على الأمن المادي والسيادي، مما يحولها من مجرد ممر للكابلات البحرية إلى “ملاذ رقمي آمن” يضمن استقرار تدفق البيانات وحمايتها من مخاطر الاستهداف العسكري المباشر التي طالت مراكز بيانات عالمية في مناطق أخرى.
ومن المتوقع أن يبلغ معدل نمو مراكز البيانات السنوي المركب في مصر أكثر من 12% حتى وأن تصل قيمته السوقية إلى 745.6 مليون دولار بحلول عام 2033، مقارنة بـ 297.8 مليون دولار في عام 2023، حيث تعد مراكز البيانات الركيزة الأساسية للاقتصاد الرقمي الذي يساهم بما يقارب 15% من إجمالي الناتج المحلي العالمي وفقًا لبيانات البنك الدولي، ويتوقع أن يساهم هذا القطاع بنحو 30% من إجمالي الناتج المحلي العالمي بحلول عام 2030، وخلق 30 مليون فرصة في ظل التوجه الخاص بتمكين الشركات العالمية المتخصصة في إقامة منظومات تشاركية تمكن عددًا كبيرًا من المستخدمين في أجهزة ومؤسسات مختلفة من استخدام الحاسبات ومعدات التخزين بشكل متزامن.
وأضاف عبد الفتاح أن الميزة الاستراتيجية لمصر لا تكمن فقط في موقعها الجغرافي الذي يربط القارات الثلاث، بل في قدرتها على توفير “بيئة بديلة وآمنة” لاستضافة مراكز البيانات الإقليمية بعيداً عن “مناطق الصراع الرقمي” النشطة؛ فالتوترات الجيوسياسية الحالية تدفع كبار مزودي الخدمات السحابية (Hyperscalers) لإعادة تسعير المخاطر، وهنا تظهر مصر كخيار مثالي لتبني نماذج “البنية التحتية الموزعة” التي تضمن استمرارية الأعمال والتعافي من الكوارث للدول والشركات التي تخشى من تعطل خدماتها الحيوية نتيجة التقلبات السياسية أو الهجمات الميدانية.
وأوضح أن توجه الدولة نحو إنشاء مراكز بيانات بمواصفات عالمية وبأيدٍ مصرية يساهم في بناء “درع رقمي” يحمي بيانات المواطنين والمؤسسات، ويوفر في الوقت ذاته منصة محايدة للاستضافة تبتعد عن مخاطر “تسييس التقنية”؛ إذ إن ارتباط بعض الشركات العالمية بعقود دفاعية قد يجعل مرافقها في الخارج أهدافاً محتملة، بينما توفر السحابة الوطنية المصرية بيئة تشغيلية مستقلة ومعزولة عند الضرورة، مما يحمي الخدمات السيادية من ضغوط “قطع الخدمة” أو القيود السياسية التي قد تفرضها القوى الدولية في أوقات الأزمات.
ولفت عبد الفتاح إلى أن “قناة السويس الرقمية” باتت حقيقة واقعة من خلال توزيع مراكز البيانات على أكثر من منطقة جغرافية داخل الدولة وربطها بمصادر طاقة وتصالات متعددة، وهو ما يقلل من مخاطر تركّز الأصول الرقمية في رقعة واحدة؛ فهذا التوزيع الاستراتيجي يرفع من مستوى الكفاءة الإدارية والإنتاجية ويضمن استمرار الخدمات المالية والحكومية وسلاسل الإمداد على مدار الساعة، حتى في حال تعرض الشبكات العالمية لاضطرابات واسعة، مما يعزز من دور مصر كصمام أمان للمنظومة الرقمية في الشرق الأوسط وأفريقيا.
وأشار إلى أن العائد الاقتصادي لهذا التوجه الاستراتيجي يتجاوز توفير العملة الصعبة وخلق فرص العمل، ليصل إلى تحويل مصر إلى “مركز إقليمي لتعافي البيانات” لخدمة دول الخليج وشرق المتوسط؛ فامتلاك مصر لنسخ احتياطية سيادية واتفاقيات واضحة لحماية البيانات العابرة للحدود يجعلها الوجهة الأكثر ثقة للمؤسسات المالية والحكومية التي تبحث عن ضمانات قانونية وتقنية لحصانة بياناتها، وهو ما يعزز من ثقل مصر الاقتصادي والسياسي في الفضاء الرقمي العالمي كدولة رائدة في حوكمة وأمن المعلومات.
واختتتم عبد الفتاح بالتأكيد على أن الانطلاق نحو “مصر الرقمية” في ظل هذه الظروف العالمية ليس مجرد مشروع تكنولوجي، بل هو إعادة صياغة لخارطة البيانات في المنطقة؛ فمن خلال الدمج بين الاستقرار الأمني والتشريعات المتطورة والبنية التحتية الخضراء، تقدم مصر حلاً متكاملاً لمواجهة “تسليح الذكاء الاصطناعي” والحروب الرقمية، مؤكداً أن الاستثمار في هذه المراكز هو استثمار طويل الأجل في “السيادة الوطنية”، يحول التحديات الجيوسياسية المحيطة إلى فرص استثمارية ضخمة تضع مصر كحارس ومستودع آمن للعقل الرقمي في القرن الحادي والعشرين.

من جانبه أكد الدكتور محمد عزام خبير تكنولوجيا المعلومات: أن مصر تخطت مرحلة التأسيس الرقمي لتصبح اليوم طرفاً فاعلاً في عصر “السيادة القائمة على البيانات”، حيث تمثل مراكز البيانات والحوسبة السحابية الوطنية حائط الصد الأول لحماية الأمن القومي المعلوماتي؛ ففي ظل الاضطرابات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة، تمنح هذه البنية المعلوماتية المستقلة صانع القرار المصري قدرة فائقة على التنبؤ بالتحديات ووضع سيناريوهات استباقية للتعامل مع الأزمات، مما يجعل من مصر “مركز ثقل استراتيجي” يضمن استمرارية الخدمات الحيوية بعيداً عن تقلبات المشهد العالمي وتأثيراته على تدفق البيانات العابرة للحدود.
وأوضح عزام أن وجود مراكز بيانات عملاقة ومؤمنة داخل الحدود المصرية يعد ضرورة حتمية في زمن “الصراع الرقمي”، إذ لا تقتصر وظيفتها على استضافة الخدمات الحكومية كالصحة والتعليم فحسب، بل تمتد لتكون “ملاذاً رقمياً إقليمياً” يقدم خدمات الاستضافة والتعافي من الكوارث للشركات الدولية والقطاعات الاقتصادية الكبرى؛ فمن خلال توفير بيئة تشغيلية تتسم بالاستقرار الأمني والجغرافي، تنجح مصر في جذب الاستثمارات التي تبحث عن توزيع بياناتها في نقاط حصينة تضمن سرعة الوصول وجودة الخدمة بعيداً عن مناطق التماس العسكري المباشر.
وأشار إلى أن ركيزة “القلعة الرقمية” الحقيقية تكمن في العقل البشري، حيث تعمل مصر على تأهيل كوادر عالمية في مجالات أمن المعلومات وتطوير التطبيقات لتشغيل هذه المراكز وصيانتها بأعلى معايير الاحترافية؛ فمن خلال الاستثمار في المواهب المتميزة وربطها بالخبرات الدولية، تضمن الدولة استدامة تشغيل بنيتها التحتية الرقمية بقدرات وطنية خالصة، وهو ما يقلل من مخاطر الارتهان التكنولوجي للخارج ويحول مصر إلى مصنع للكفاءات القادرة على إطلاق شركات ناشئة تدعم الصادرات التكنولوجية وتعزز من “الحصانة الرقمية” للدولة المصرية.
ولفت عزام إلى أن أحد أهم المستهدفات السيادية لهذه المراكز هو بناء “شبكة وطنية موحدة” تربط كافة المؤسسات الحكومية والخدمات العامة بمسارات مؤمنة تماماً، مما يمنع تسرب البيانات أو اختراقها في أوقات النزاعات؛ فهذا الربط الشامل يوفر لصانعي القرار قاعدة بيانات موحدة وشاملة لدعم السياسات الاقتصادية والاجتماعية، ويرفع من كفاءة وفاعلية المنظومة الإدارية والإنتاجية للدولة، مما يجعل من البنية التحتية الرقمية المصرية منظومة دفاعية وتنموية متكاملة قادرة على الصمود أمام محاولات الشلل الرقمي التي قد تستهدف البنى التحتية الحرجة في المنطقة.
وأضاف أن مصر تمتلك كافة المقومات للتحول إلى وجهة إقليمية رائدة لتصدير “التكنولوجيات عالية القيمة”، مدعومة بحزمة حوافز استثمارية وتوجهات سياسية واضحة لجذب الشركات العالمية للعمل من داخل “المساحات الآمنة” المصرية؛ ففي ظل استراتيجية مصر الرقمية، تصبح مراكز البيانات هي العمود الفقري لصناعة التعهيد واستقطاب مراكز العمليات الدولية التي تبحث عن “الحياد الجيوسياسي” والاستقرار المادي، وهو ما يرسخ مكانة القاهرة كقلعة اقتصادية وتقنية لا يمكن تجاوزها في خارطة المعلومات العالمية الجديدة.
واختتم عزام بالتأكيد على أن امتلاك مصر لمراكز بيانات متطورة هو المفتاح السحري للدخول بقوة في سباق “الذكاء الاصطناعي السيادي”، حيث تتطلب هذه التقنيات نماذج تعلم ضخمة وقدرات حوسبية هائلة يجب أن تظل تحت السيطرة الوطنية؛ فالعالم ينفق مليارات الدولارات سنوياً في هذا المجال، ومصر بفضل بنيتها المستقرة وتشجيعها للشركات الناشئة المبتكرة، مؤهلة لتكون المركز الإقليمي الأول لتطبيقات الذكاء الاصطناعي الآمن، مما يحول التهديدات التكنولوجية العالمية إلى فرص حقيقية لتعزيز الريادة المصرية وضمان الاستقلالية الرقمية المستدامة للجمهورية الجديدة.







