كان الشمول المالي يُقاس قديمًا بمدى إتاحة الخدمات المالية، ويُقدَّر التقدم فيه بعدد الأفراد والشركات التي نجحت في دخول النظام المالي الرسمي. أما اليوم، فقد تغيّر هذا المفهوم، إذ لم يعد الوصول وحده كافيًا.
ففي اقتصاد تتزايد فيه الرقمنة، أصبح الشمول الحقيقي يُقاس بقدرة الأفراد والشركات على المشاركة بفعالية، وإتمام معاملاتهم، وتحقيق النمو. وتسهم التكنولوجيا في توسيع هذه الفرص من خلال إزالة العقبات، وفتح آفاق جديدة للنمو، وإتاحة مشاركة أوسع لمختلف فئات المجتمع. إلا أن التكنولوجيا وحدها لا تضمن هذه المشاركة، فلا بد أن يثق الأفراد والشركات في الأنظمة التي يعتمدون عليها في حياتهم وأعمالهم اليومية.
وهنا يبرز الدور الحيوي لـ «ماستركارد»؛ فبصفتها شركة رائدة في تكنولوجيا المدفوعات، فإنها تجمع بين الشبكات الآمنة وحلول الأمن السيبراني المتقدمة والرؤى المستندة إلى البيانات والقدرات الابتكارية، بما يسهم في تمكين التجارة الرقمية على نطاق واسع. وتقوم هذه الاستراتيجية على طموح واضح يتمثل في ربط 500 مليون شخص وشركة صغيرة وحمايتهم بحلول عام 2030، بما يجعل الفرص الاقتصادية معيارًا جوهريًا لقياس التقدم الرقمي.[1]
التحول الرقمي في مصر على أرض الواقع
تُعد مصر اليوم واحدة من أكثر الاقتصادات الرقمية ديناميكية في المنطقة؛ حيث يسهم اتساع شبكات الاتصال وتزايد استخدام الخدمات الرقمية ونمو التجارة الإلكترونية في إتاحة فرص جديدة للمستهلكين ورواد الأعمال والشركات على حد سواء. كما تدعم استثمارات مصر المتواصلة في التحول الرقمي بناء اقتصاد أكثر ترابطًا وابتكارًا ومرونة.
ومع استمرار اتساع نطاق التجارة الرقمية، يسهم الابتكار في تسهيل مشاركة الشركات بمختلف أحجامها فيها. ومن الأمثلة على ذلك تقنية Soft POS، التي تحوّل الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية المعتادة إلى أدوات آمنة لقبول المدفوعات. فمن خلال تخفيف العقبات المرتبطة بقبول المدفوعات، تساعد هذه التقنية الشركات على الوصول إلى عملاء جدد، والمشاركة في التجارة الرقمية، ورفع كفاءة أعمالها.
كما تسهم حلول مثل Soft POS في دمج مزيد من الشركات في الاقتصاد الرقمي، وفتح آفاق جديدة للنمو. ويدعم هذا التطور تهيئة بيئة خصبة للابتكار في قطاع التكنولوجيا المالية، ويتيح تجارب رقمية جديدة تمكّن المستهلكين والشركات من التفاعل وإجراء المعاملات وتحقيق النمو بثقة أكبر.
التكنولوجيا المالية ومشغلو شبكات الهاتف المحمول: محركات الفرص الاقتصادية
تُحدث التكنولوجيا المالية تحوّلًا في طريقة تعامل المستهلكين والشركات مع الاقتصاد، من خلال إزالة العقبات التي تعترض رحلة العميل في مختلف مراحلها. فمن التسجيل والدفع إلى التجارة الإلكترونية وإدارة الأعمال، تجعل الحلول الرقمية المشاركة أكثر سهولة وكفاءة وبساطة.
ويُعزز مشغلو شبكات الهاتف المحمول هذه الفرصة، إذ تصل خدمات الدفع عبر الهاتف المحمول والخدمات المدعومة من شركات الاتصالات إلى المستهلكين والشركات الصغيرة خارج نطاق الخدمات المصرفية التقليدية. ويُسهم هذا التقارب بين التكنولوجيا المالية والبنية التحتية لشبكات الهاتف المحمول في دفع التجارة الرقمية نحو آفاق أوسع تتجاوز حدود القطاع المصرفي التقليدي.
وتعمل شركات التكنولوجيا المالية ومشغلو شبكات الهاتف المحمول والمؤسسات المالية معًا على إعادة هندسة الوظائف الأساسية مثل: التسجيل والإقراض وتقييم الجدارة الائتمانية. فالعمليات التي كانت تتطلب سابقًا زيارة الفروع وانتظار دورات موافقة طويلة، أصبح يمكن إنجازها بأمان خلال دقائق عبر تجارب رقمية سلسة ومتطورة.
تتيح البيانات البديلة، ومنها سجلات المعاملات وأنماط الدفع الرقمي، للمؤسسات فهمًا أعمق لاحتياجات العملاء، وخدمة الشرائح التي لم تنل حظًّا كافيا من الخدمات المالية في السابق، وفتح المجال أمام مشاركة أوسع في الاقتصاد الرقمي. ولا تقتصر أهمية هذا التحول على تحسين فرص الوصول إلى الخدمات المالية، بل تمتد إلى تمكين مزيد من الأفراد والشركات من المشاركة في التجارة، والوصول إلى العملاء، وتحقيق النمو.
وفي ظل هذا التحول، يتجاوز دور ماستركارد حدود تمكين المعاملات؛ فبصفتها شريكًا تقنيًا موثوقًا، تعمل الشركة مع شركات التكنولوجيا المالية في مختلف مراحل نموها، وتوفر لها البنية التحتية اللازمة بالإضافة إلى الخبرات والتقنيات والبرامج المصممة خصيصًا لدعم نموها وتوسعها.
يُعد ماستركارد Start Path، برنامجنا العالمي لتفاعل الشركات الناشئة، مثالاً بارزاً في هذا المجال؛ إذ قدّم الدعم لأكثر من 500 شركة تكنولوجيا مالية في أكثر من 60 دولة. ومن خلال التوجيه وتوفير فرص الوصول إلى شبكات العلاقات ودمج التقنيات، يساعد البرنامج المبتكرين في هذا القطاع على توسيع نطاق الحلول الجاهزة للسوق، والتي تعالج تحديات مالية حقيقية.
تحويل الابتكار إلى فرص نمو
إن توسع الفرص في ظل الاقتصاد الرقمي يقابله تصاعد مواز في التهديدات السيبرانية وعمليات الاحتيال المتطورة؛ مما يستدعي وجود أطر عمل أمنية تتطور بالوتيرة نفسها التي يتطور بها الابتكار.
واستجابة لهذه التحديات، أصبح الذكاء الاصطناعي ركيزة أساسية في إعادة تعريف الأمن المالي. فبدلا من الاكتفاء بمعالجة الاحتيال بعد وقوعه، تتيح الأنظمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي للمؤسسات استباق التهديدات المحتملة، ومحاكاة سيناريوهات الهجمات، والتعلم المتواصل من أنماط الاحتيال الناشئة في الوقت الفعلي.
وإلى جانب الذكاء الاصطناعي، تسهم تقنيات مثل الترميز والمصادقة البيومترية في إتاحة تجارب رقمية أكثر أمانا وسلاسة. فمن خلال استبدال بيانات الدفع الحساسة بمعرّفات رقمية آمنة، يحمي الترميز المعاملات ويبسّط عمليات الدفع عبر القنوات الرقمية.
ولا تقتصر فوائد هذه التقنيات على تعزيز الأمن؛ فبالنسبة للتجار، يتيح الترميز إتمام عمليات الدفع بسرعة أكبر، ورفع معدلات الموافقة، وتقليل المعاملات المتروكة، بما يدعم تحسين معدلات التحويل ونمو التجارة الرقمية. أما بالنسبة للمستهلكين، فيوفر لهم تجارب دفع آمنة ومريحة وسلسة. وبالنسبة لجهات الإصدار، يُسهم الترميز في الحد من عمليات الاحتيال مع تحسين الكفاءة التشغيلية ورفع مستوى رضا العملاء.
تُسهم هذه الابتكارات مجتمعة في خلق تجارب تجارة رقمية أكثر أمانا وسلاسة وقابلية للتوسع، بما يدعم تحقيق نتائج أفضل للعملاء ونمو مستدام في الاقتصاد الرقمي.
مستقبل التمويل الرقمي في مصر
يشير الزخم الرقمي الذي تشهده مصر إلى ما هو قادم: بنوك رقمية بالكامل تُعيد تشكيل المشهد المالي، تعتمد فيها عمليات فتح الحسابات والإقراض والدفع على احتياجات العملاء، وليست على البنية التحتية للفروع. ويُعدّ نظام اعرف عميلك إلكترونيًا عنصرًا أساسيًا في هذا التحول؛ إذ يستبدل المعاملات الورقية بعملية تسجيل رقمية أسرع وأكثر أمانًا، ويسهم تدريجيًا في خفض العقبات التي كانت تمنع الأفراد والشركات الصغيرة من الانضمام إلى النظام المالي الرسمي.
بناء منظومات شاملة من خلال التعاون
لا يمكن لأي طرف بمفرده أن يفتح آفاق الفرص الاقتصادية؛ فالتقدم يتسارع عندما تجتمع جهود الحكومات والمؤسسات المالية ومزودي التكنولوجيا ورواد الابتكار في مجال التكنولوجيا المالية لمواجهة التحديات المشتركة وتوسيع نطاق المشاركة في الاقتصاد الرقمي.
ومن خلال هذا النموذج القائم على التعاون، تسهم ماستركارد في تحويل الابتكار إلى أثر ملموس على أرض الواقع، من خلال الجمع بين التقنيات المتقدمة والبنية التحتية الآمنة والخبرة العميقة في القطاع، بما يتيح إطلاق الحلول وتوسيع نطاقها واعتمادها بفعالية أكبر.
الفصل التالي من مسيرة الشمول
لن تتحدد الفرص التي يتيحها التحول الرقمي بالتكنولوجيا وحدها، بل بقدرتنا الجماعية على بناء أنظمة يثق بها الناس، وتطوير حلول تحقق قيمة حقيقية، وإقامة شراكات تمكن الابتكار من الوصول إلى مجتمعات أوسع.
وبالجمع بين التكنولوجيا الموثوقة والابتكار المتواصل والتعاون، يمكننا المساهمة في بناء مستقبل يشارك فيه مزيد من الأفراد والشركات في اقتصاد رقمي مزدهر، ويسهمون في نموه والاستفادة منه. وبذلك نضمن أن تصبح الفرص الاقتصادية أكثر إتاحة وشمولا واستدامة للجميع.
تحليل كتبه: محمد عاصم
المدير الإقليمي لشركة «ماستركارد» في مصر والعراق ولبنان وسوريا







