في عالم تتحول فيه تطبيقات الذكاء الاصطناعي يومًا بعد يوم إلى أدوات قادرة على الكتابة والرسم وتحليل البيانات، اختار الشاب المصري مارك مراد أن يستخدم هذه التكنولوجيا في شيء أكثر إنسانية: مساعدة من لا يستطيعون رؤية العالم من حولهم على فهمه بصورة أفضل.
لم تبدأ الحكاية داخل شركة تكنولوجيا عالمية، ولا في مختبر أبحاث متطور، وإنما بدأت من تجربة شخصية قاسية عاشها مارك بنفسه، ثم تحولت مع الوقت إلى مشروع يستخدمه آلاف الأشخاص حول العالم.
بداية الحكاية.. عندما بدأ العالم يختفي
في عام 2018، كان مارك، الذي كان وقتها في الصف السادس، يواجه مشكلة في رؤية السبورة داخل الفصل. ظنت أسرته في البداية أن الأمر يتعلق بمشكلة عادية في النظر، لكن رحلة طويلة من الفحوصات والأطباء كشفت عن إصابته بحالة نادرة تؤثر على العصب البصري. ومع مرور السنوات، تدهورت حالته تدريجيًا، حتى فقد بصره بالكامل خلال المرحلة الثانوية.

لم يكن فقدان البصر مجرد تغيير في طريقة مارك في رؤية الأشياء، بل أصبح عائقًا أمام تفاصيل أساسية في حياته اليومية، خصوصًا الدراسة. كان مارك يرغب في دراسة الهندسة، لكن المواد الدراسية لم تكن تعتمد على النصوص المكتوبة فقط؛ فهناك الرسومات البيانية والجداول والمعادلات والصور والمخططات، وهي أشياء يصعب على أدوات قراءة الشاشة التقليدية وصفها بالشكل الكافي، وكان يحتاج في كثير من الأحيان إلى شخص آخر يشرح له ما يراه زملاؤه أمامهم.
لكن مارك لم يكن يريد أن يعتمد على شخص آخر في كل مرة يحتاج فيها إلى فهم صورة أو ورقة. وهنا بدأت الفكرة.
عندما لم يجد الحل.. قرر أن يصنعه بنفسه
بدأ مارك يبحث عن تطبيقات يمكن أن تساعده، وتواصل مع مطوري بعض الأدوات الموجودة بالفعل، لكنه لم يجد الاستجابة التي كان يبحث عنها، فقرر أن يتعلم البرمجة بنفسه.
اعتمد على مصادر تعليمية متاحة عبر الإنترنت، من بينها YouTube، وبدأ في تعلم البرمجة خطوة بخطوة، ليس بهدف أن يصبح مبرمجًا محترفًا فحسب، وإنما لأنه كان يريد حل مشكلة يعيشها يوميًا.
وبعد نحو عامين من التعلم والعمل، بدأ مارك في تطوير فكرته التي تحولت لاحقًا إلى تطبيق ScribeMe. في البداية كان الهدف هو مساعدة المكفوفين على قراءة المستندات وفهم الصور والمحتوى البصري، لكن الفكرة لم تتوقف عند الأوراق.

من قراءة المستندات إلى وصف العالم
مع تطور ScribeMe، أصبح التطبيق يعتمد على الذكاء الاصطناعي في تحليل الصور والمحيط والإجابة عن أسئلة المستخدمين حول ما تلتقطه كاميرا الهاتف. وبدلًا من أن يقرأ التطبيق الكلمات فقط، أصبح قادرًا على وصف الأشياء الموجودة أمام المستخدم، مثل الأشخاص والأشياء والألوان والمسافات وبعض تفاصيل المكان.
كما توسعت التجربة لتشمل نظارات Meta الذكية، وهو ما يسمح للمستخدم بالحصول على المعلومات بصورة أكثر طبيعية، دون الحاجة إلى الإمساك بالهاتف طوال الوقت. ويصف مارك الفكرة ببساطة: التطبيق يشبه وجود شخص إلى جوارك يستطيع أن يرى ما حولك ويخبرك بما يراه. والأهم أن هذه التكنولوجيا لم تعد مجرد فكرة شخصية لمارك.
لحظة غيّرت مسار المشروع
في عام 2024، شارك مارك في هاكاثون للذكاء الاصطناعي والأدوات المساعدة لذوي الإعاقة نظمته فودافون. كانت مشاركته فرصة لعرض ScribeMe وتطوير الفكرة، لكنه لم يتوقع أن تتحول المسابقة إلى نقطة فاصلة في حياته.
فاز مشروعه بالمركز الأول، وفتحت التجربة أمامه الباب للتعاون مع شركاء ساعدوا في توسيع نطاق التطبيق وتطوير قدراته. ومن هنا بدأت ScribeMe تتحول من مشروع شخصي إلى منتج تكنولوجي يستهدف مساعدة عدد أكبر من المكفوفين.

«كأنني أستطيع أن أرى».. عندما دخلت الأخت في القصة
ربما أكثر أجزاء الحكاية تأثيرًا أن مارك لم يكن الشخص الوحيد في أسرته الذي فقد بصره؛ فشقيقته كارين مراد فقدت بصرها أيضًا.
أصبحت كارين تستخدم ScribeMe في حياتها اليومية، لكن إحدى التجارب التي كشفت الإمكانيات الحقيقية للمشروع كانت خلال رحلة إلى كينيا؛ حيث استخدمت التطبيق من خلال نظارات Meta خلال رحلة سفاري، وبدأ الذكاء الاصطناعي في وصف الحيوانات والمشهد المحيط بها، من ألوان وحركة وأعداد ومسافات.
بالنسبة لشخص مبصر، قد تبدو هذه المعلومات عادية للغاية، لكن بالنسبة لكارين، كانت تعني شيئًا مختلفًا تمامًا؛ إذ وصفت تجربتها بأنها جعلتها تشعر «أنها تستطيع أن ترى».
وهنا تحولت التكنولوجيا من مجرد أداة تساعد على قراءة مستند أو فهم صورة، إلى وسيلة تمنح شخصًا فقد بصره فرصة لتكوين صورة ذهنية أكثر وضوحًا عن العالم المحيط به.

اكتشاف أشياء كانت موجودة طوال الوقت
يحكي مارك عن تجربة أخرى تكشف حجم الفارق الذي أحدثه التطبيق في حياته؛ فخلال وجوده في الجامعة، وصف له التطبيق في إحدى المرات وجود جسر فوقه وأشجار نخيل في المكان.
كان مارك يدرس في الجامعة منذ فترة، لكنه لم يكن يعرف أن هذه التفاصيل موجودة حوله. الأشجار والجسر لم تظهر فجأة بسبب الذكاء الاصطناعي، بل كانت موجودة طوال الوقت، لكن ScribeMe منحه طريقة جديدة لاكتشافها.
وهذا ربما هو جوهر المشروع كله: ليس أن يرى الكفيف بعينيه، وإنما أن يحصل على المعلومات التي يحتاجها لفهم المكان من حوله واتخاذ قراراته باستقلالية أكبر.

من تجربة شخصية إلى آلاف المستخدمين
بحسب المعلومات المعلنة عن المشروع، أصبح ScribeMe مستخدمًا في عشرات الدول حول العالم، ويدعم عددًا كبيرًا من اللغات، من بينها العربية.
يعمل التطبيق على الهواتف الذكية، إلى جانب دعمه لنظارات Meta، ويوفر أدوات للتعامل مع المستندات والصور، بالإضافة إلى خاصية المساعدة المباشرة التي تستطيع وصف البيئة المحيطة بالمستخدم في الوقت الفعلي.
وهكذا انتقلت الفكرة من سؤال بسيط كان يطرحه مارك على نفسه: كيف أستطيع أن أفهم ما أمامي؟ إلى أداة يستخدمها أشخاص آخرون يواجهون المشكلة نفسها.

أسرة فقدت الرؤية.. لكنها لم تفقد الأمل
خلف نجاح مارك قصة عائلة مرت بسنوات شديدة الصعوبة؛ فقدان الابن والابنة للبصر كان تجربة قاسية على الأسرة، خصوصًا في البداية، عندما كان المستقبل يبدو مجهولًا.
لكن قصة مارك وكارين أخذت العائلة إلى مكان مختلف تمامًا. يقول والد مارك إن الأسرة لو أخبرها أحد قبل سنوات بما سيصل إليه الابن والابنة، ربما لم تكن لتصدق ذلك. أما اليوم، فأصبحت العائلة تنظر إلى الأحلام بطريقة مختلفة؛ بعدما أثبت مارك أن فقدان البصر لم يكن نهاية الطريق.
التكنولوجيا التي بدأت من الاحتياج
قصة مارك مراد لا تتعلق فقط بتطبيق جديد أو استخدام مبتكر للذكاء الاصطناعي، بل هي قصة عن الطريقة التي يمكن بها للتكنولوجيا أن تولد من الاحتياج الحقيقي. شاب فقد بصره، فبدلًا من أن ينتظر أن يصنع شخص آخر الحل الذي يحتاجه، بدأ يتعلم البرمجة وصنعه بنفسه، ثم اتسعت الفكرة من محاولة لمساعدته في الدراسة إلى مشروع يساعد آخرين على قراءة المستندات، وفهم الصور، والتعرف على الأشياء المحيطة بهم.
وفي النهاية، أصبح مارك لا يستخدم التكنولوجيا فقط للتغلب على جزء من التحديات التي فرضها عليه فقدان البصر، بل يستخدمها لمساعدة أشخاص آخرين يعيشون التجربة نفسها.
لم يستعد مارك بصره، لكنه وجد طريقة جديدة ليرى بها العالم، والأجمل أنه لم يحتفظ بهذه الطريقة لنفسه، بل حوّل تجربته الشخصية إلى أداة يمكن لآلاف المكفوفين حول العالم الاستفادة منها.






