حوار: أحمد البرماوي – تامر إمام
«هناك توجه متزايد لدى الدول لتعزيز التصنيع العسكري المحلي، بما يسهم في خفض الاعتماد على استيراد المنتجات العسكرية الجاهزة».. هكذا لخص المهندس شريف بركات، الرئيس التنفيذي لشركة “تاليس مصر” (Thales Egypt)، الاستراتيجية الحالية لشركة تاليس العالمية في حواره الخاص معنا.
في هذه المقابلة، نغوص في كواليس الشراكة الاستراتيجية بين مجموعة “تاليس” العالمية والدولة المصرية، ونكشف كيف تحوّل “الاستثمار في السيادة” إلى درع حقيقي لحماية أمن البلاد.
يتحدث بركات عن كواليس الصناعات الدفاعية، ويشرح كيف يرى طموح “تاليس مصر” بحلول عام 2030 لتبلغ مصاف التجارب العالمية الكبرى، في حوار يحمل الكثير من الفخر الوطني والسبق الصحفي والتفاصيل التي تُنشر لأول مرة.
لنبدأ من الجانب الشخصي والدوافع الأساسية وراء التحول بالمسار المهني من الاتصالات إلى تكنولوجيا السيادة والدفاع؟
طوال حياتي المهنية كنت أتحرك داخل مربع قطاع الاتصالات والمستهلكين. بدأت في “موتورولا” عام 1997 في وقت لم تكن فيه شبكات الـ (GSM) قد اتخذت شكلها الحالي، ثم عملت في سيمنز ونوكيا وسامسونج، وتنقلت ما بين المغرب وجنوب أفريقيا والسعودية ودبي، ولكن، وصلت إلى مرحلة شعرت فيها برغبة حقيقية في خوض تحدٍ جديد، بشرط أن يكون له تأثير مباشر وملموس على الدولة والمجتمع الذي أعيش فيه.
عندما أتيحت لي الفرصة في شركة “تاليس” (Thales) في 2018، وجدت ضالتي؛ فالشركة تعمل في مجالات حساسة للغاية كالصناعات الدفاعية، والعسكرية، والأمن السيبراني، وتتعاون بشكل مباشر مع الدولة المصرية.
شعرت أنني لن أتعامل هنا مع “مستهلك فرد”، بل سأساهم في تطوير وتغيير منظومات استراتيجية داخل الدولة، ودعم توجهاتها، وجلب تكنولوجيات متطورة لمصر، فضلاً عن كوني لاعباً أساسياً في نقل وتوطين التكنولوجيا. واليوم، وبعد أن وصلنا إلى مرحلة جني الثمار وتحقيق نجاحات ملموسة، أسعد بمشاركة هذه التجربة مع الصحافة والإعلام.

هذا يقودنا للسؤال عن تاريخ الشركة في السوق المصري؛ كيف كان شكل وجود “تاليس” في مصر قبل توليك قيادتها، وما الذي تغير وتطور بعد ذلك؟
شركة “تاليس” ليست غريبة على مصر، فهي متواجدة هنا منذ نحو خمسين عاماً (تحديداً منذ السبعينات)، وبداية دخول الشركة كانت قائمة بالأساس على التعاون في مجال الطيران العسكري مع القوات المسلحة المصرية، عن طريق طائرات “الميراج 5″، ثم “الميراج 2000″، وصولاً إلى مقاتلات “الرافال” (Rafale) التي تقوم تاليس العالمية بتصنيع ما يقرب من 25% من المقاتلة.
لكن النموذج القديم لـ “تاليس” كان يعتمد على تصدير “المنتجات النهائية” المصنعة في أوروبا إلى مصر، ولم يكن هناك توجه حقيقي نحو توطين الصناعة. حتى إن مكتب الشركة في مصر كان محدوداً للغاية ولا يتجاوز عدد موظفيه 10 أفراد، ينحصر دورهم في التنسيق اللوجستي، دون وجود فريق تصنيعي أو خطط توسعية على الأرض.
النقلة النوعية التي أشرفت عليها ووفقنا فيها، هي تحويل الاستراتيجية من الاستيراد إلى التوطين الفعلي ونقل التكنولوجيا. لقد نجحنا في وضع مصر على خريطة سلاسل الإمداد والتوريد العالمية لشركة “تاليس” الأم، بحيث أصبحت المصانع في مصر تنتج مكونات تدخل في صناعة منتجات “تاليس” العالمية وتُصدر إلى فرنسا ودول أخرى.

كيف نجحتم في ترجمة هذه الرؤية على أرض الواقع وتحويل مصر إلى جزء من سلاسل التوريد العالمية لـ “تاليس”؟
إذا سألتني عن الإنجاز الأساسي الذي أفخر به خلال السنوات الثماني الماضية، سأقول لك إنه تأسيس ركيزتين وشراكتين قويتين على الأرض مع الدولة المصرية:
- الأولى: إعادة تفعيل الشراكة مع “الشركة العربية للبصريات”؛ وهي شراكة تاريخية قديمة لكنها كانت غير مفعلة وتفتقر للاندماج الفعلي. قمنا بتجديد العقد، ورفع الكفاءة الشاملة للمهندسين والفنيين عبر دورات تدريبية مكثفة في مصانعنا بفرنسا وبريطانيا، مع تحديث كامل لخطوط الإنتاج وشراء ماكينات جديدة. واليوم، تمتلك “تاليس” فيها حصة 49% مقابل 51% للدولة المصرية.
- الثانية: تأسيس شركة جديدة تماماً بالتعاون مع وزارة الإنتاج الحربي ومصنع بنها للإلكترونيات (مصنع 144 حربي)، تحت اسم “شركة تاليس بنها للصناعات الإلكترونية”. وهنا امتلكت “تاليس” حصة الأغلبية بنسبة 51% مقابل 49% للجانب المصري، وتوزيع الحصص بهذا الشكل كان مقصوداً لتسهيل وتسريع إجراءات الموافقات الحكومية في فرنسا وتقليل البيروقراطية. هذه الشركة متخصصة في قطاعات الاتصالات العسكرية المؤمنة والمشفرة، وأنظمة الاتصالات اللاسلكية العسكرية مثل التردد العالي (HF) والتردد العالي جداً (VHF)، بالإضافة إلى تقنيات الاتصالات المؤمنة.
ثماني سنوات فترة طويلة نسبياً لتبقى هذه الإنجازات بعيدة عن الأعين، والآن تفاجئون السوق بكل هذه التطورات مرة واحدة. ما السبب في هذا الغياب الإعلامي؟
طبيعة الصناعة التي نعمل بها حساسة واستراتيجية للغاية، ونقل التكنولوجيا ليس أمراً يسيراً يمكن إنجازه بضغطة زر. فالأمر يتطلب صياغة اتفاقيات، والحصول على موافقات حكومية وسيادية قد تستغرق وحدها عامين أو ثلاثة من المفاوضات، في حين يستغرق تحقيق الإنجاز الفعلي على الأرض من 5 إلى 6 سنوات. لقد كان هذا التحول بمثابة تحدٍ شخصي لي.
ما هي الأهمية الاستراتيجية لربط الشركات المصرية الوطنية بسلاسل الإمداد والتوريد العالمية لشركة “تاليس”؟
تتلخص الأهمية في ثلاثة محاور أساسية:
- الدمج التكنولوجي العالمي: دمج مصر كدولة في المنظومات التكنولوجية العالمية، ليصبح العالم الخارجي بحاجة إلى مصر لتأمين أجزاء ومكونات معينة من صناعته.
- رفع كفاءة الكوادر البشرية: نحن شركة متخصصة ننتج تكنولوجيات معقدة للغاية، وشعارنا الداخلي هو “الفعل الصعب”؛ فإذا جاءنا عقد أو مشروع تشعر “تاليس” أن أي شركة أخرى قادرة على تنفيذه، نعتذر عنه فوراً ونتركه للمنافسين.
- العائد الاقتصادي والتنافسي: على سبيل المثال، نجح الفريق المصري في “الشركة العربية للبصريات” في إقناع الجانب الفرنسي بتصنيع مكونات تكنولوجية معينة في مصر؛ حيث أثبتنا لهم أننا نمتلك كفاءة هندسية وتكلفة اقتصادية تنافسية مع الحفاظ على نفس معايير الجودة الأوروبية، فضلاً عن الميزة اللوجستية؛ حيث يستغرق النقل البحري من مصر إلى فرنسا 3 أيام فقط بدلاً من اللجوء لأي دول أخرى. هذا النجاح دفع “تاليس بريطانيا” أيضاً لتوقيع عقود توريد معنا، وهدفنا على المدى الطويل هو رفع نسبة المكون المحلي والمدخلات المحلية لتصل إلى 80% خلال السنوات العشر القادمة.

تحدثت عن أن “تاليس” هي شركة “الفعل الصعب”. ما هي القطاعات الاستراتيجية الأبرز التي تقودون فيها المشهد عالمياً ومحلياً؟
نحن نعمل بقوة في أربعة قطاعات حيوية:
- قطاع الفضاء والأقمار الصناعية (Satellites)
نحن من أكبر مصنعي الأقمار الصناعية المدنية والعسكرية في العالم عبر تحالف “تاليس ألينيا سبيس” (Thales Alenia Space). في الجانب المدني، نحن المورد الأساسي لأقمار “نايل سات 201″ و”301”. وفي الجانب العسكري، نحن المورد لقمر الاتصالات العسكري المصري “طيبة 1” (Tiba-1) الذي تديره القوات المسلحة بكفاءة عالية. كما نصنع أقمار المراقبة وتحديد المواقع، التي تُستخدم في مراقبة الحدود، ومنع التسلل والتهريب، ومتابعة المياه الجوفية والتصحر، ومكافحة البناء العشوائي.
- الدفاعات الأرضية والجوية ومجابهة الطائرات المسيرة (Anti-Drone Systems)
هذا هو الملف الأخطر والأهم حالياً على مستوى العالم. التهديد العسكري الأكبر للدول الآن يكمن في الطائرات بدون طيار (الدرونز)، والتحدي هنا اقتصادي واستراتيجي؛ فليس من المنطقي إسقاط “درون” تكلفتها 100 ألف دولار بصاروخ قيمته مليون دولار. لذلك، تقدم “تاليس” منظومات متعددة الطبقات (Multi-layered systems)، مثل منظومة “سكاي ديفيندر” (Sky Defender) المتكاملة.
تعتمد هذه المنظومة على رادارات قوية جداً مثل “جراوند ماستر” (Ground Master GM400) لرصد المخاطر على أبعاد بعيدة المدى، مرتدة إلى مديات متوسطة وقصيرة. تكمن عبقرية الرادار في قدرته على تصنيف الهدف بدقة وتحديد حجمه وسرعته وحمولته، وهو أمر بالغ الصعوبة خاصة مع “الدرونز” الصغيرة والبطيئة التي تحلق على ارتفاعات منخفضة جداً. وهنا يأتي دور المجابهة؛ سواء بالصواريخ أو عبر أنظمة الإعاقة والتشويش المتقدمة (Jamming) التي تقطع اتصال “الدرون” بموجهه وتسقطه فوراً.
- الاتصالات المشفرة والأمن السيبراني (Cybersecurity)
في أي صراع، يحاول العدو التشويش على اتصالاتك أو اختراقها لمعرفة ما تقوله. نحن متخصصون في أنظمة الاتصالات المضادة للإعاقة والتشويش (Anti-Jamming) لحماية نقل المعلومات عسكرياً ومدنياً.
- قطاع الملاحة الجوية (Aerospace) والتحول الرقمي
في الشق العسكري، نحن فخورون بأننا ننتج نحو 25% من مكونات طائرة “الرافال” بالتحالف مع شركات فرنسية، وتشمل هذه المكونات: الرادار، أنظمة الاتصالات، أنظمة الحرب الإلكترونية والتشويش، وأنظمة الرؤية الليلية والملاحة للطيار. ولدينا فريق من الخبراء الأجانب والمصريين في مصر لتقديم الدعم الفني المستمر لهذه المقاتلات.
أما في الطيران المدني، فإن “تاليس” تستحوذ على 50% من السوق العالمي لأنظمة الملاحة والاتصالات الجوية، وشاشات الركاب الأمامية، وتقنيات الـ (Wi-Fi) على متن الطائرات.
وفيما يخص التحول الرقمي، نحن نقود مجالات “المؤشرات الحيوية” (Biometrics) والوثائق المؤمنة عالمياً. نحن نمتلك تقنيات تربط بصمة الوجه بجواز السفر وتؤمن رخص القيادة والبطاقات عبر شرائح ذكية ومؤمنة بنسبة 100%، كما نتولى تأمين المطارات والمنافذ والحدود.

وأين يقع الذكاء الاصطناعي (AI) في هذه المنظومة المعقدة؟
نحن لا نستخدم الذكاء الاصطناعي في تطبيقات عامة، بل نُطوره لخدمة منتجاتنا المتعددة في مسألة “تصنيف الخطر”. في الماضي، كان تحليل البيانات القادمة من الرادارات يستغرق من العنصر البشري دقائق لاتخاذ القرار. أما الآن، بفضل خوارزميات الذكاء الاصطناعي التي طورناها، يتم تحليل البيانات بالكامل في ثوانٍ معدودة، ليحدد النظام طبيعة الهدف، واتجاهه، وسرعته، وتكلفته، ويقترح على القائد العسكري طريقة المجابهة المثلى، ويحثه على اتخاذ القرار في غضون ثوانٍ قبل أن يشكل الهدف خطراً على المنشآت الحيوية.
كيف يتم تطبيق تقنيات التشفير والأمن السيبراني العسكرية من “تاليس” في القطاعات المدنية؟
نطبقها بقوة في تأمين القطاع المصرفي، والتحويلات المالية الدولية (Wire Transfers)، حيث يتم تشفير الأكواد والرسائل المالية بمنتجات “تاليس”، مما يجعلها مستعصية على الاختراق والقرصنة حتى مع استخدام المخترقين للذكاء الاصطناعي.

التطور التكنولوجي للمخترقين سريع جداً، فكيف تضمنون البقاء في الصدارة؟
نحن نؤمن منظومات دولية متعددة ووزارات الدفاع العالمية، لذا تمتلك “تاليس” العالمية ميزانيات أبحاث وتطوير ضخمة تتيح لنا استشراف المستقبل. اليوم، يتحدث العالم عن الذكاء الاصطناعي الذي يفوق ذكاء الإنسان بـ 100 إلى 150 مرة، بينما تستثمر “تاليس” بالفعل فيما يعرف بـ “تكنولوجيا ما بعد الكم” (Post-Quantum Technology). تكنولوجيا الكم (Quantum) تزيد القدرات الحاسوبية بآلاف المرات، مما يهدد بفك التشفير التقليدي في ثوانٍ، ونحن نبتكر الآن الحلول القادرة على صد هجمات الحواسب الكمومية المستقبلية.
ما هي استراتيجيتكم في صد الهجمات السيبرانية؟ وهل الوعي بالاستثمار في هذا المجال كافٍ؟
استراتيجيتنا للأمن السيبراني تقوم على ثلاث مراحل متكاملة:
- الدفاع وصّد الهجوم: منع اختراق الشبكات الاستراتيجية الحيوية.
- التحليل: دراسة الهجوم بعد صده لتحديد مصدره، أسبابه، ودوافعه.
- الردع: القيام برد فعل يمنع المشكلة ويشل قدرة المهاجم على تشكيل تهديد مستقبلي، وهو هجوم بهدف الردع وحماية الشبكات وليس لمجرد الأذى.
أما عن الوعي، فللأسف ما زال بعض أصحاب الأعمال والشركات الصغيرة يتساءلون: “ما الذي أمتلكه لأخاف عليه؟”، دون إدراك أن هجمة واحدة قد تدمر استثمارات سنوات. والأخطر من ذلك، أن الهاكر قد يستخدم هذه الشركة الصغيرة غير المهمة كـ “عقدة” أو وصلة (Node) ليتسلل منها إلى مؤسسة كبرى أو جهة سيادية ترتبط معها بصورة أو بأخرى.
وماذا عن تكنولوجيا الشريحة المدمجة (eSIM) في قطاع الاتصالات المصري؟
تكنولوجيا الـ eSIM وربطها هي صلب تخصصنا. نحن نتعاون مع مشغلي الاتصالات في مصر؛ وعندما بدأت مصر في تبني هذه التكنولوجيا، كان ذلك من خلال “تاليس” وبالتعاون مع الدولة المصرية، ولدينا مهندسون مصريون يديرون ويشغلون هذه المنظومة بالكامل في مصر.

بصفتكم شريكاً استراتيجياً وموثوقاً للدولة المصرية (Trusted Partner)، ما هي أبرز المشاريع المستقبلية المسموح بالإعلان عنها؟
بجانب مشروعاتنا المستمرة مع “نايل سات”، نحن نعمل حالياً مع “وكالة الفضاء المصرية” في مقرها الجديد بالعاصمة الإدارية؛ حيث تضم كفاءات ممتازة، ونسعى معهم لتوطين صناعات الأقمار الصناعية محلياً. وتكتسب هذه الخطوة أهمية مضاعفة لأن مصر تستضيف أيضاً مقر “وكالة الفضاء الإفريقية”، مما يؤهلها للعب دور إقليمي رائد، وهدفنا المشترك هو المساهمة في إطلاق قمر صناعي إفريقي موحد أو منظومة فضائية إفريقية مشتركة تقودها مصر.
كذلك، تحولت مصر إلى مركز إقليمي للدعم الفني والصيانة لمنتجات “تاليس” التكنولوجية والعسكرية في المنطقة. نحن نمتلك مكتباً محلياً كشركة مصرية 100% مملوكة للشركة الأم في فرنسا، يضم 60 مهندساً وفنياً مصرياً بشكل مباشر، بالإضافة إلى نحو 400 موظف من خلال شراكاتنا في “العربية للبصريات” و”تاليس بنها”.
هذا المركز يضمن “السيادة الكاملة” لمصر على أجهزتها وأنظمتها، بدءاً من شريحة الـ eSIM وحتى جميع الأجهزة الدفاعية.
يتردد منذ فترة طويلة حديث عن مشاريع التحول الرقمي الشامل وربط قواعد البيانات في مصر ولكن خطى تنفيذها تبدو متأنية. كيف ترى “تاليس” هذا الملف؟
ما يميز شركة “تاليس” أن نفسها طويل جداً؛ نحن لا نهدف للتواجد لعام أو عامين بل نخطط لعقود (20 عاماً وأكثر). كمؤمن ومسؤول مصري، أركز على تطوير البنية التحتية، وبناء “النظام البيئي” (Ecosystem)، وتجهيز الشراكات على الأرض، ونحن نتطلع للتعاون مع الدولة بطاقة أكبر في مشاريع التحول الرقمي المتعددة.
في ظل التوترات والحروب الجيوسياسية الحالية في العالم، هل الغلبة اليوم للقوة العضلية التقليدية (الطائرات والصواريخ) أم للقوة العقلية والتكنولوجية؟
المواجهات الحديثة تتجه بوضوح نحو التكنولوجيا الأحدث؛ حروب الدرونز، أنظمة الإعاقة، والتشويش الإلكتروني. هذا لا يعني بالطبع أن الأسلحة التقليدية قد انتهت، ولكن التهديدات الأساسية التي صاغت الحروب في العقد الأخير تنقسم إلى قسمين: إما تهديدات سيبرانية لشل الأنظمة الحيوية والبنكية، أو تهديدات الأنظمة غير المأهولة بشرياً (الدرونز).
والخطر السيبراني قد لا يتوقف عند حدود تدمير الشبكة، بل يمكن للمخترق التسلل إلى نظام تكييف أو مصنع أدوية وتغيير درجة حرارة خط الإنتاج عشوائياً ليفسد العقار الطبي دون أن يشعر أحد وتحدث كارثة عند وصوله للمرضى (وقد حدثت هجمات مشابهة في العالم عطلت برامج صناعية لدول لمدة 5 سنوات عبر اختراق أنظمة التكييف).
لذلك، نحن في “تاليس” نتبنى فلسفة واضحة؛ نحن شركة رسالتنا هي صون سيادة الدول وتأمين حدودها؛ فالرادارات والأقمار الصناعية وأنظمة التشويش التي نقدمها تمنع وقوع الحروب من الأساس؛ لأن الدولة التي تبيت النية للاعتداء على أخرى ستتراجع عندما تدرك أن تحركاتها مكشوفة بالكامل وأن عملية الهجوم لن تكون سهلة. نحن نمنح الدول وسائل حماية السلم والاستقرار، سواء في أوقات الصراعات أو في أوقات السلم التي تتطلب صيانة وتحديثاً مستمراً للأنظمة لتبقى جاهزة لردع أي تهديد.
إذن أنتم تقدمون “سلاح الردع” الذي يحمي السلام؟
بالضبط.
حتى في وقت السلم، هناك طائرات عسكرية ومدنية يجب أن تطير وتخضع للصيانة الدورية، وهناك أنظمة رادار تعمل على مدار 24 ساعة تحتاج لصيانة مستمرة لحماية هذا السلم، وهذا بحد ذاته يمثل نشاطاً تجارياً كبيراً ومستمراً لنا في أوقات الاستقرار.
سياستنا الأساسية هي تأمين الدول؛ التهديد البشري سيبقى موجوداً للأسف، ولكننا نمنح الدول الوسائل التكنولوجية التي تجعل أي معتدٍ يفكر مئة ألف مرة قبل أن يقدم على أي خطوة، لأنه يعلم أن هناك رادارات ترصده، وأقماراً صناعية تصوره، وأنظمة تشويش ستشل حركته، فيفضل الابتعاد.

هذا ينقلنا للحديث عن السوق المحلي؛ كيف تقيّم التحركات المصرية الأخيرة لحماية أمنها وسيادتها في ظل هذه التطورات؟
مصر دولة قوية ولها تاريخ وعلاقات استراتيجية وثيقة، ومركزها الإقليمي الحالي يجبر أي طرف على التفكير مئة ألف مرة قبل مساس أمنها. وخلال تعاملاتي، لمست أمرين أعتبرهما مصدر فخر حقيقي لكل مصري:
- الطفرة العسكرية غير المسبوقة: ما شهدته القوات المسلحة المصرية من تطوير وتحديث شامل في السنوات العشر الأخيرة يعد طفرة غير مسبوقة في جميع الأفرع. في السابق، كان البعض يلوم الدولة ويتساءل: “لماذا نستثمر كل هذه المبالغ في تطوير الجيش وتحديث السلاح؟”، لكن الجميع اكتشف الإجابة الآن؛ فالأزمات الحالية أثبتت أن هذا الاستثمار الاستباقي في “السيادة” هو الدرع الحقيقي الذي نحتاجه اليوم، والتطوير لم يكن تقنياً وحسب، بل شمل رفع كفاءة العنصر البشري بشكل مبهر.
- إرادة التوطين ورفض الاستيراد التقليدي: الإرادة السياسية المصرية اليوم واضحة وحاسمة؛ هناك توجه صارم بعدم استيراد “منتجات نهائية” من الخارج، بل اشتراط توطين كامل للصناعات العسكرية والأمنية ونقل براءات الاختراع إلى داخل مصر. هذا هو الفارق الجوهري بيننا وبين المنافسين؛ المنافس يريد بيع منتجه الجاهز المصنع في الخارج، بينما مصر تشترط وجود مكون محلي وشراكة حقيقية على الأرض. والحمد لله، نحن نتحرك بقوة في هذا الاتجاه، وقريباً سنطرح اتفاقية جديدة ستنبهرون من حجم التوطين الصناعي الضخم الذي تنطوي عليه داخل مصر.
ما هي العوامل والمزايا التي تمتلكها مصر، وتستند إليها كشركة “تاليس مصر” لإقناع الإدارة العالمية والفرنسية بنقل وتوطين صناعات معقدة كهذه في السوق المصري؟
نحن نقنع الشركاء في الخارج عبر ثلاث مزايا تنافسية أساسية تمتلكها مصر:
- تنافسية أسعار الطاقة والتشغيل: مصر تعد من أكثر دول العالم تنافسية وجاذبية فيما يتعلق بأسعار الطاقة وتكلفة التشغيل، وهي أقل بكثير مقارنة بفرنسا وأوروبا.
- الكفاءة الهندسية والسعرية: الكوادر الهندسية والفنية المصرية مؤهلة على أعلى مستوى تكنولوجي، وفي الوقت ذاته، فإن التكلفة السعرية للمهندس المصري تنافسية جداً مقارنة بنظيره في فرنسا، مما يساعد على تقليص التكاليف وزيادة جدوى التوطين الصناعي.
- الموقع اللوجستي العبقري وسرعة النقل: وسائل النقل والربط اللوجستي بين مصر وأوروبا ممتازة؛ حيث تستغرق الشحنات البحرية من 3 إلى 4 أيام فقط لتصل إلى قلب أوروبا دون أي عوائق، فضلاً عن توافر الشحن الجوي السريع للحالات الحرجة. إذن، مصر مؤهلة تماماً؛ فنياً، وسعرياً، ولوجستياً.
بالتزامن مع “رؤية مصر 2030″؛ ما هي الطموحات والأحلام الاستراتيجية التي تسعى “تاليس مصر” لتحقيقها بحلول ذلك الوقت؟
لدي ثلاثة أحلام رئيسية نعمل على تحويلها إلى واقع قبل عام 2030:
- الحلم الأول: الاستمرار في دمج شركاتنا المشتركة في مصر وتوسيع حصتها داخل سلاسل الإمداد والتوريد العالمية لشبكة “تاليس” الأم في أوروبا مباشرة. لقد فتحنا الباب بنجاح مع “تاليس فرنسا”، ونطمح لفتح عقود توريد ثابتة ومباشرة مع “تاليس بريطانيا” ومختلف الفروع الأوروبية؛ ليكون المصنع المصري ركيزة أساسية لا غنى عنها في التوريد للمركز الرئيسي.
- الحلم الثاني: الانتقال من مرحلة إنتاج “المكونات والأجزاء” إلى مرحلة إنتاج وتجميع “منتج نهائي مصري” يحمل تكنولوجيا “تاليس” وتوطينه بالكامل على الأرض، لتصديره من مصر إلى الدول الصديقة والمجاورة في المنطقة.
- الحلم الثالث: أن نكون لاعباً أساسياً ومحورياً في قيادة وتطوير مشروعات التحول الرقمي السيادي للحكومة المصرية.





