لم يعد الحديث عن المدن الذكية في مصر مجرد رفاهية إنشائية أو واجهات زجاجية ، بل تحول إلى ركيزة استراتيجية لإعادة صياغة الاقتصاد الكلي في عصر الرقمنة الشاملة.
ويأتي إعلان مجموعة طلعت مصطفى القابضة عن مشروع مدينة ذا سباين باستثمارات تصل إلى 1.4 تريليون جنيه، ليمثل نقطة تحول مفصلية في هذا المسار؛ فالمشروع لا يقدم مجرد وحدات سكنية تقليدية، بل يطرح نموذج المدينة المعرفية التي تمتلك القدرة على التفكير والتعلم والتطور ذاتياً باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، وهو ما يضع التكنولوجيا في مقعد القيادة للقطاع العقاري المصري، محولاً الأبنية من كيانات صماء إلى منصات تفاعلية ذكية.
وتأتي هذه الخطوة في وقت يشهد فيه سوق المدن الذكية العالمي نمواً انفجارياً، حيث تشير تقديرات عام 2026 إلى أن حجم هذا السوق قد تجاوز حاجز 1.1 تريليون دولار عالمياً، بمعدل نمو سنوي مركب يقترب من 18.7%، وفي قلب هذا السباق المحموم، تسعى مصر عبر استراتيجيتها الوطنية للمدن الذكية إلى حجز مكانة متقدمة في الاقتصاد الرقمي الإقليمي، حيث قفزت القاهرة في مؤشرات التنافسية الرقمية لتعزز مفهوم العقارات كخدمة تكنولوجية، مستفيدة من البنية التحتية اللوجستية المتطورة التي تعتمد عليها المشروعات القومية الكبرى، والتي تهدف إلى فصل حركة الخدمات والبيانات عن حركة البشر لرفع كفاءة الاستهلاك الطاقي وتقليل الانبعاثات.
الابتكار الحقيقي في مشروع “The Spine” يكمن في كونه منصة تشغيل حضرية ضخمة تعتمد على شبكة معقدة من الحساسات وإنترنت الأشياء ، حيث تدار كافة الخدمات اللوجستية بنسبة 100% تحت الأرض، مما يحول 1.5 مليون متر من المساحات الخضراء إلى رئات ذكية تُدار رقمياً بالكامل، وهذا التوجه يعكس رؤية الدولة في دمج التكنولوجيا بالقطاعات التقليدية، حيث يمثل المشروع مختبراً مفتوحاً لتطبيقات المدن الفائقة، مما يساهم بشكل مباشر بما يعادل 1% من الناتج المحلي الإجمالي المصري، ويخلق منظومة عمل قادرة على استيعاب عشرات الملايين من الزوار سنوياً في بيئة خالية تماماً من الانبعاثات الكربونية الناتجة عن النقل التقليدي.

وفي هذا السياق، قال خبراء في التحول الرقمي إن مشروع “The Spine” يمثل الانتقال الفعلي من جيل المدن المتصلة إلى جيل المدن المدركة، فبينما تكتفي المدن الذكية التقليدية بجمع البيانات، تقوم المدن المعرفية بتحليل هذه البيانات للتنبؤ باحتياجات السكان قبل حدوثها، مما يرفع إنتاجية القطاع الخاص ويوفر بيئة مثالية للابتكار، منوهين أن الاستثمار الضخم في خوارزميات إدارة المدن سيسهم في خلق جيل جديد من الوظائف التقنية، خاصة وأن المشروع يوفر أكثر من 155 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة، مما يجعله محركاً ليس فقط للنمو العمراني، بل لنمو الكوادر البشرية في مجالات البرمجيات وإدارة النظم الذكية.
وأشاروا إلى أن الشراكة بين مجموعة طلعت مصطفى والبنك الأهلي المصري برأس مال مدفوع قدره 69 مليار جنيه، تعكس ثقة المؤسسات المالية الكبرى في الجدوى الاقتصادية للاستثمار الرقمي طويل الأمد أن تشييد 165 برجاً ذكياً ليس مجرد توسع رأسي عمراني، بل هو خلق لبيئة عمل فائقة الذكاء قادرة على جذب الشركات العالمية الكبرى الباحثة عن مراكز بيانات متطورة وخدمات سحابية مدمجة داخل مقراتها الإدارية، مدعومة بمنظومة تأمين طبي عالمية بالتعاون مع جهات دولية مثل هيوستن ميثوديست، مما يرفع القيمة التسويقية للعقار المصري عالمياً.
ولفتوا إلي إن التحرك المصري نحو هذه النوعية من المدن يعيد تعريف القيمة المضافة للعقار في الميزانية العامة للدولة، حيث من المتوقع أن يساهم المشروع بنحو 818 مليار جنيه في حصيلة الضرائب، وهو ما يعزز القدرة المالية للدولة في ظل الظروف الجيوسياسية المتقلبة، لافتين إلي أنه بحسب الأرقام المحدثة، فإن مصر باتت تتبنى نهجاً لا يركز على التوسع الأفقي فحسب، بل على جودة الحياة الرقمية التي توفرها هذه المدن، مما يجعلها وجهة جاذبة للاستثمارات الأجنبية المباشرة التي تبحث عن استقرار البنية التحتية المعلوماتية بجانب الاستقرار العمراني.
ووفقا للخبراء، تتبلور الرؤية التحليلية لهذا التحول في كون المشروع يطرح تحدياً وفرصة في آن واحد؛ فالفرصة تتمثل في تحفيز شركات البرمجيات المحلية لتطوير حلول إدارة المدن لتلائم هذا النمط المتطور، بينما يكمن التحدي في ضمان تكامل هذه الجزر التكنولوجية مع النسيج العمراني القائم، منوهين إلي إن هذا التوجه يثبت أن العمود الفقري الحقيقي للاقتصاد القادم في مصر هو تدفق البيانات الذكية وقدرة المدن على الاستجابة اللحظية لمتطلبات سكانها، مما يجعل من “The Spine” نموذجاً إرشادياً لمستقبل التنمية الرقمية في المنطقة بأكملها.
أكد هشام طلعت مصطفى الرئيس التنفيذي لمجموعة طلعت مصطفى القابضة أن مشروع “The Spine” يمثل تحولاً جذرياً من مفهوم المدن الذكية التقليدية التي تكتفي بالاستجابة للمشكلات، إلى جيل المدن الإدراكية التي تعتمد على تقنيات التنبؤ الاستباقي بالأعطال والاحتياجات قبل وقوعها، مشيراً إلى أن هذا التطور التقني يرفع كفاءة التشغيل ويقلل تكاليف الصيانة بشكل غير مسبوق، مما يجعل العقار قيمة مضافة مستمرة وليس مجرد هيكل خرساني.
وأشار إلى أن المدينة صُممت لتكون كياناً حياً يفكر ويتعلم ويتطور باستمرار عبر خوارزميات الذكاء الاصطناعي، حيث ستتيح للسكان والمستثمرين التحكم الكامل في كافة المرافق والخدمات من خلال الأوامر الصوتية والتطبيقات الذكية، مما يحول تجربة السكن والعمل إلى منظومة رقمية تفاعلية تتجاوز كافة الأنماط التقليدية المتاحة حالياً في السوق العقاري.

وركز طلعت مصطفى على الابتكار الهندسي والبيئي للمدينة، موضحاً أنها ستكون أول مدينة تعتمد على نظام لوجستي وطرق سيارات كاملة تحت الأرض، مما يخصص سطح المدينة بالكامل للمشاة والمساحات الخضراء والترام الكهربائي، وهو ما يسهم في خفض الانبعاثات الكربونية بنسبة تصل إلى 90% مقارنة بالمدن التقليدية، ويعزز من جاذبية العقار الأخضر كأصل استثماري عالمي.
وقال إن العائد الاقتصادي للمشروع يمتد ليشكل محركاً للاقتصاد الكلي، حيث يساهم بنسبة 1% من الناتج المحلي الإجمالي المصري، ومن المتوقع أن يدر على خزينة الدولة حصيلة ضريبية لا تقل عن 818 مليار جنيه، مؤكداً أن هذا المشروع يبرهن على أن الرقمنة العمرانية هي السبيل الأمثل لتحقيق الاستدامة المالية وتوفير أكثر من 155 ألف فرصة عمل جديدة.
وكشف عن ميزة تكنولوجية تنافسية تتمثل في ربط كافة التعاملات الاقتصادية والخدمية داخل المدينة بالنظم الحكومية لحظياً، مما يسهل حركة التجارة للعلامات التجارية العالمية من خلال دوائر جمركية خاصة، تتيح للشركات البيع وإعادة التصدير دون تعقيدات روتينية، وهو ما يضع القاهرة الجديدة في منافسة مباشرة مع أهم المراكز الاقتصادية العالمية في جذب المقرات الإقليمية.
ولفت إلى أن المدينة ستوفر بنية تحتية رقمية فائقة الاعتمادية تشمل ربطاً بالإنترنت عبر الأقمار الصناعية لضمان استمرارية الخدمة بنسبة 100% حتى في حالات الطوارئ، بالإضافة إلى توفير مصادر طاقة بديلة ومستمرة، وهي معايير تقنية يطلبها المستثمر الأجنبي لضمان بيئة عمل آمنة ومستقرة داخل المدن الذكية الحديثة.
وأضاف أن المشروع يدمج التكنولوجيا بالخدمات الطبية بشكل غير مسبوق عبر سوار ذكي مرتبط بمستشفى عالمي، يتيح مراقبة الحالة الصحية للسكان والتدخل الطبي الاستباقي في غضون دقائق معدودة دون طلب من المستخدم، مما يرفع معايير جودة الحياة الرقمية ويجذب فئات سياحية واستثمارية عالية الإنفاق تبحث عن الرفاهية والأمان الصحي.
وشدد طلعت مصطفى على أن الاستثمار في هذه النوعية من المدن يوفر عائداً استثمارياً مرتفعاً جداً، خاصة مع تطبيق نماذج تمويل مرنة تمتد لـ 15 عاماً، مما يتيح للمستثمرين تعظيم أرباحهم من خلال تأجير الوحدات الذكية أو إعادة بيعها في سوق يمتاز بالنمو المتسارع، مؤكداً أن التطور والحداثة هما الضمانة الوحيدة لمستقبل العقار والاقتصاد في مصر.
أكد المهندس محمد السكراوي، المدير التنفيذي لشركة Dotshub المتخصصة في قطاع تكنولوجيا العقارات، أن مشروع “ذا سباين” الذي أطلقته مجموعة طلعت مصطفى يمثل نموذجاً فريداً ومهماً جداً في السوق المصري، موضحاً أن تميز المشروع ينبع من زاوية استراتيجية وهي دمج التكنولوجيا العقارية (PropTech) مع تقنيات الذكاء الاصطناعي بشكل عملي وملموس.

وأوضح أن التكنولوجيا العقارية لم تعد مجرد عنصر ترفيهي كما كانت في السابق، بل أصبحت اليوم ركيزة أساسية في المشاريع العقارية الكبرى، مشيراً إلى أن “المطور الذكي” هو من يدرك قيمة الاستثمار في دمج الـ PropTech والذكاء الاصطناعي داخل مشاريعه الهاصة، لما يحققه ذلك من زيادة في الأرباح وتقليل ملموس في التكاليف خلال كافة المراحل؛ سواء ما قبل التنفيذ، أو أثناءه، أو حتى في مرحلة إدارة المشروع ما بعد التسليم.
وأضاف أن جزءاً كبيراً من أهمية التكنولوجيا يظهر في إدارة المرافق وإدارة الكومباوند بالكامل، بما يشمل حل مشكلات الصيانة وإدارة استهلاك الطاقة وغيرها من التفاصيل المعقدة.
وأكد السكراوي أن مصر بحاجة ماسة لمشاريع حقيقية تعتمد على الـ PropTech كتطبيق عملي، وليس مجرد برمجيات داخل الشركات أو تطبيقات مبيعات فقط، لافتاً إلى أن عناصر التكنولوجيا العقارية تبدأ من لحظة التفكير في فكرة المشروع وتقييمها، مما يعزز الفرص التنافسية للقطاع العقاري في مصر والمنطقة بأكملها.
وشدد السكراوي على أن المنافسة حالياً لم تعد تقتصر على موقع المشروع أو المزايا التقليدية التي يقدمها المشروع، بل أصبحت تدور حول تقديم “مدينة ذكية” توفر خدمات تقنية ذكية تسهل حياة العميل وتوفر وقته، مضيفاً : “العميل اليوم يبحث عن خدمات مرنة يستطيع استخدامها، وكذلك الحال بالنسبة للمستثمر فهو لا يبحث اليوم عن مبنى تقليدي، بل يبحث عن مبنى مستدام مربوط تكنولوجياً، وهو ما يمنح المشروع ميزة تنافسية عالمية تجذب رؤوس الأموال الأجنبية، وتحول المشروع من مشروع محلي إلى مشروع عالمي المعايير”.
وفيما يخص دور الذكاء الاصطناعي (AI)، أشار إلى قدرته الفائقة على تأمين الكومباوند بشكل ذكي، وتوفير احتياجات السكان بدقة، بل وتحليل المشكلات قبل وقوعها، وضرب مثالاً بقدرة هذه التقنيات على التنبؤ بأزمات الإنارة أو استهلاك الطاقة وتجهيز الحلول مسبقاً، مما يساهم في ترشيد استهلاك الطاقة بشكل كبير.
وتابع: الاستثمار العقاري على مستوى العالم لم يعد يقتصر على مجرد التواجد في منطقة معينة وview معين، فأصبح المستثمر مهتم للغاية بتوافر التكنولوجيا، الأمر الذي يضيف للكثير من المدن حول العالم بصفة عامة والخليج خاصة ميزة تنافسية ويساعد المطور والدولة التي تتبنى المشروع الخاص بتوافر التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي أن يكون لها ميزة تنافسية تساعد في جذب مستثمرين، ما يجعل المشروع عالمي ليس فقط مجرد مشروع محلي.
وشدد على أهمية مراعاة الجزء الخاص بالبنية التحتية والتكنولوجيا المنفذة داخل المشروع، مشيراً إلى أن أحد التحديات التي تواجه المطور هو “الأمن السيبراني” والذي يجعل المشروع أما مغامرة أو يضيف له ميزة وفي حال تطبيقه يشعر كل المتواجدين في المشروع بالراحة والأمان.
وأردف المدير التنفيذي لـ “Dotshub” أن كثير من الشركات التي تعمل في القطاع العقاري سواء الشركات العقارية أو شركات التكنولوجيا العقارية تسعى لتحقيق مزايا تنافسية، لافتاً إلى وجود كثير من الشركات في السوق المصري التي تعمل في مجال التكنولوجيا العقارية ونجحت في تصدير خدماتها للكثير من دول الخليج وحققت قصص نجاح مبهرة.

ولفت إلى أن الاعتماد على هذه الشركات المحلية يغني المطور عن استيراد تكنولوجيا بالدولار، كما أن الحلول المحلية تكون أكثر فهماً لتحديات البنية التحتية المصرية وأقدر على تصميم حلول تناسب الواقع الفعلي والبنية التحتية للمشروعات في مصر.
وأكد السكراوي أن التكنولوجيا العقارية لم تعد مجرد رفاهية وهو ما نراه على أرض الواقع في مشروع “ذا سباين”، فمجموعة طلعت مصطفى نجحت في تحويل التكنولوجيا العقارية إلى عنصر جذب تسويقي رئيسي، حيث لم تعد مجرد أداة بل أصبحت جزءاً أساسياً في التخطيط والترويج والتسعير، وصولاً إلى إدارة ما بعد البيع والتسليم، وهو ما يحقق عائد قوي للمطور، والأهم من ذلك أنه يضع مصر بقوة على خريطة الاستثمار العقاري الحقيقي.
ونوه إلى أن مشروع “ذا سباين” سيكون البداية، فمن المتوقع أن الكثير من المطورين سيسيرون على نفس النهج ولكن بشكل عملي يساعد على تحقيق الاستثمار وتوفير عملة أجنبية .
ووجه السكراوي نصيحة هامة للمطورين الذين يسعون للسير على نهج نموذج طلعت مصطفى، مؤكداً ضرورة اختيار العناصر التكنولوجية المناسبة لكل مشروع وعدم الاكتفاء بـ “الجرافيكس” والوعود الدعائية الجوفاء.
وقال: “يجب الاستعانة باستشاريي التكنولوجيا العقارية لتطبيق عناصر مثل إنترنت الأشياء (IoT) بشكل محسوب وعملي، لضمان تسليم ما تم الاتفاق عليه مع العميل، لأن عدم الجدية في تنفيذ الوعود التقنية يقلل من احترام السوق العالمي لنا في ظل منافسة إقليمية شرسة”.
واختتم السكراوي تصريحاته بالتأكيد على أن مصر تمتلك مزايا طبيعية ومناخية وجغرافية كبرى، وإذا ما دُمجت معها عناصر التكنولوجيا العقارية والذكاء الاصطناعي بشكل يحترم المستثمر، فسنحقق طفرة كبرى، وحذر من أن التطور في هذا المجال سريع جداً، ومن لن يتمكن من دمج هذه العناصر في مشروعه سيكون للأسف “خارج دائرة المنافسة” وغير قادر على جذب المستثمرين
وفي قراءة تحليلية لهذا التحرك، أكد الدكتور بلال شعيب، الخبير الاقتصادي، أن إطلاق مشروع “The Spine” باستثمارات تتجاوز 1.4 تريليون جنيه، يمثل رسالة “موثوقية سيادية” وتطمينية للمستثمرين المحليين والدوليين، خاصة في ظل حالة عدم اليقين التي تسيطر على الأسواق العالمية حالياً، منوها على أن هذا الزخم الاستثماري والتكنولوجي يعكس متانة الاقتصاد المصري ووضوح الرؤية التنموية للدولة، حيث نجحت مصر في تحويل التحديات الجيوسياسية إلى فرص لاستقطاب رؤوس أموال ضخمة تضع البلاد في قلب المنافسة العالمية على مدن المستقبل.

وأوضح أن المشروع يعد نموذجاً تطبيقياً حياً لمستهدفات وثيقة سياسة ملكية الدولة، إذ يقوم على هندسة شراكة متكاملة بين القطاع الخاص ممثلاً في مجموعة “طلعت مصطفى” كأحد أبرز المطورين الإقليميين، والقطاع المصرفي ممثلاً في البنك الأهلي المصري باعتباره أكبر مؤسسة تمويلية وطنية، منوها إلي أن هذه الشراكة تبرهن على الثقة المتزايدة في بيئة الاستثمار المحلية، وقدرة القطاع المصرفي على تمويل مشروعات “الرقمنة العمرانية” التي تتطلب استثمارات طويلة الأمد وعالية التقنية.
ولفت الخبير الاقتصادي إلى أن هذه القفزة النوعية في نوعية المشروعات لم تكن لتتحقق لولا الطفرة الضخمة التي شهدتها البنية التحتية المصرية خلال العقد الماضي، والتي تجاوزت استثماراتها 10 تريليونات جنيه، مؤكدا أن تطوير محطات الكهرباء، وشبكات الطرق الفائقة، والتحول الرقمي الشامل، مثّل المُمكن الأساسي لظهور مدن معرفية تعتمد على تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
وأشار الدكتور بلال شعيب إلى أن مصر أصبحت وجهة إقليمية قادرة على استيعاب مشروعات لا يمكن تنفيذها إلا في بيئات تتوفر فيها بنية تحتية رقمية وخدمية متكاملة وفائقة التطور، منوها إلي أن المشروع يكرس لمرحلة جديدة من التنمية التي لا تكتفي بالعمران الصمّام، بل تهدف إلى تعزيز جاذبية مصر للاستثمارات الكبرى عبر تقديم مدن ذكية قادرة على التفاعل والتطور، مما يضمن استدامة النمو الاقتصادي وتحويل العقار إلى أصل رقمي منتج يساهم في زيادة حصيلة الدولة من الضرائب وخلق آلاف فرص العمل المرتبطة باقتصاد المعرفة.
أكد شنودة أمين، رئيس مجلس إدارة شركة ذا بروبرتي بنك للاستثمار العقاري، أن مشروع The Spine يمثل فكرة مبتكرة تُطبق لأول مرة بشكل متكامل في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، موضحًا أن المشروع يقوم على مفهوم “المدن الإدراكية” (Cognitive Cities) أو ما يُعرف بنظام تشغيل المدن (Urban Operating System)، حيث يتم تطوير العقارات بالاعتماد على تقنيات الذكاء الاصطناعي.
وأضاف شنودة، أن هذا النموذج الاستثماري يختلف بشكل جذري عن الاستثمار العقاري التقليدي القائم على البيع والإيجار، إذ يعتمد على منظومة متكاملة من التنبؤ والصيانة الذكية، حيث يستطيع النظام التنبؤ باحتياجات المشروع خلال مراحل التنفيذ وبعد التسليم وبدء التشغيل، إلى جانب تحديد مواعيد الصيانة بدقة عالية على نحو يشبه أنظمة السيارات الحديثة، بما يسهم في الحفاظ على قيمة الأصول، وخلق فرص عمل رقمية جديدة، وزيادة معدلات الإنتاجية، وتحسين جودة الحياة وسهولة التنقل.

وأشار إلى أن مشروع The Spine سيعمل على رفع قيمة الأصول من خلال دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب جذب كبرى شركات التكنولوجيا التي تحتاج إلى مراكز بيانات متطورة في المنطقة، فضلًا عن تحليل البيانات لقياس مؤشرات الاستهلاك والسلوك واستهلاك الطاقة والعمل على تحسينها بشكل مستمر، مع التركيز على بناء مدن مستدامة تعتمد على الطاقة النظيفة والطاقة الشمسية والمساحات الخضراء الواسعة، لافتًا إلى أن التقديرات تشير إلى أن كل جنيه يُستثمر في هذه المدن الإدراكية يحقق عائدًا يتراوح بين 2 إلى 5 جنيهات، بما يعادل عائدًا يصل إلى خمسة أضعاف الاستثمار.
وأوضح شنودة أن سهم مجموعة طلعت مصطفى شهد ارتفاعًا تجاوز 10% في البورصة فور الإعلان عن مشروع The Spine، وهو ما يعكس قوة تأثير المشروع في السوق، متوقعًا أن يسهم في جذب ما يُعرف بـ”الأموال الساخنة” ورؤوس الأموال من الشرق الأوسط ودول الخليج إلى السوق المصري، خاصة في ظل ما تتمتع به مصر من أمن واستقرار مقارنة بالتوترات والصراعات الإقليمية، معتبرًا أن توقيت طرح المشروع جاء ذكيًا ليعزز من مكانة مصر الريادية ويجذب مزيدًا من الاستثمارات الأجنبية فور استقرار الأوضاع في المنطقة.
ولفت إلى أن مشروع The Spine يهدف أيضا إلى تحويل مصر من منظومة ورقية إلى منظومة رقمية مؤمنة، بما يجعلها مركزًا رقميًا إقليميًا على غرار سنغافورة وهونج كونج، وذلك من خلال تطبيق حوكمة البيانات (Data Governance) وتحويل البيانات إلى أصول اقتصادية، إلى جانب تطوير البنية التحتية وربطها بالذكاء الاصطناعي، وتحليل النماذج التجارية لقياس الأرباح وأعداد الزوار وحركة التدفقات المرورية بدقة عالية، فضلًا عن تعزيز الاستدامة المالية عبر تقليل استهلاك الطاقة بنسبة تتراوح بين 20 و30%، مع القدرة على اكتشاف تسربات المياه بشكل تلقائي.
وفي قراءة مكملة للمشهد التقني، أكد باسم الشربيني، الرئيس التنفيذي لشركة إتقان للاستشارات المالية والتسويقية، أن التكنولوجيا العقارية في مصر لم تعد خياراً ثانوياً، بل تحولت إلى قطاع سريع النمو يعيد تشكيل هندسة البيع والإدارة، موضحاً أن مشروع The Spine يمثل ذروة هذا التحول الرقمي الذي يتجاوز مجرد “تطبيقات ذكية” ليصل إلى تغيير الثقافات الاستهلاكية واحتياجات العملاء في القطاع العقاري المصري.
وأضاف الشربيني أن التكنولوجيا أصبحت العمود الفقري لكافة مراحل تطوير مشروع “ذا سباين”، بدءاً من التخطيط المعتمد على النمذجة ثلاثية الأبعاد والمحاكاة، وصولاً إلى تقنيات البناء الحديثة واللوجستيات التي توفر الطاقة وتدير المنشآت لحظياً. وأشار إلى أن التوقعات العالمية تشير إلى وصول سوق التكنولوجيا العقارية إلى 64.3 مليار دولار بحلول عام 2028، وهو ما يجعل الاستثمار الضخم في “ذا سباين” استثماراً في “اقتصاد المستقبل” الذي ينمو عالمياً بنسبة تقترب من 15.4%.

ولفت الشربيني إلى أن المشروع يستفيد من طفرة منصات البحث العقاري والواقع الافتراضي التي أعادت تشكيل العملية البيعية عالمياً، مشبهاً هذه الطفرة بما أحدثته منصات عالمية مثل (Zillow) و(Zoopla)، حيث تتيح هذه التقنيات للمستثمر الدولي معاينة كل تفاصيل “The Spine” بدقة متناهية عن بُعد، مما يعزز من جاذبيته كمنتج عقاري عابر للحدود.
وأوضح أن القيمة المضافة لمشروعات مثل “ذا سباين” تكمن في رفع دقة الاستثمارات وزيادة الربحية عبر استخدام نظام إدارة معلومات البناء (BIM)، مشيداً بالدور المحوري لشركة العاصمة الإدارية في فرض هذه المعايير التي تضمن تكامل المباني مع البنية التحتية الدقيقة للمدن. وتابع: “إن أدوات إنترنت الأشياء (IoT) التي يرتكز عليها المشروع تفتح حقبة جديدة في صيانة الممتلكات، حيث تؤكد الدراسات أن 80% من الشركات التي تبنت هذه الحلول شهدت طفرة في كفاءة العمليات، بينما لمست 70% منها تحسناً جذرياً في اتخاذ القرارات الاستثمارية”.
واختتم الشربيني تصريحاته بالإشارة إلى أن التكنولوجيا العقارية باتت السمة الغالبة على الصناعة اليوم، حيث تستخدم 58% من الشركات أدوات تقنية متقدمة، وهو ما يضع مجموعة طلعت مصطفى في صدارة المشهد عبر “The Spine”، كونه المشروع الذي لا يكتفي باستخدام الأدوات، بل يصنع بيئة متكاملة تدمج التمويل والتشغيل بالذكاء الاصطناعي، مما يضمن استدامة الأرباح للمطور والمستثمر على حد سواء.







