تخوض كلية “هارفارد” تجربة تعليمية جديدة ربما تكون هي نقطة البداية لتحول جذري في قطاع التعليم يتجاوز أساليب الدراسة، ليصل إلى إعادة تعريف مفهوم الأستاذ ودوره في عصر الذكاء الاصطناعي.
نسخ رقمية من الأساتذة
اعتمدت كلية هارفارد على نسخ رقمية مدعومة بالذكاء الاصطناعي لسبعة من أساتذتها ومحاضريها داخل برنامج لتدريب رواد الأعمال، ليتمكن المشاركون من عرض أفكارهم أمام “أستاذ افتراضي” مرارًا، وفي أي وقت، من دون أن يحتاج الأخير إلى استراحة أو يفقد صبره.
ويمتد البرنامج التدريبي 8 أسابيع، وتبلغ كلفته 699 دولارا، وهو جزء من منصة “HBS Foundry” التي تصفها الكلية بأنها مساحة عمل رقمية مبنية منذ البداية على الذكاء الاصطناعي.
وشارك في البرنامج حتى الآن نحو 760 مؤسساً، فيما جرى تطوير النسخ الرقمية بموافقة الأساتذة المشاركين، عقب جلسات تسجيل ومقابلات هدفت إلى تدريب النماذج على أساليبهم وخبراتهم
وتتيح هذه النسخ الرقمية للطلاب إجراء محادثات مع الأستاذ وطرح الأسئلة عليه، إلى جانب التدرب بصورة متكررة على عروض الشركات الناشئة، ومكالمات المبيعات، واجتماعات مجالس الإدارة، دون الحاجة إلى انتظار موعد مع الأستاذ الفعلي.
ولا تقتصر التجربة على تسجيلات لمحاضرات سابقة، إذ يستطيع المتدرب التفاعل مع النسخة الرقمية، وطرح الأسئلة، وتلقي الملاحظات، ثم تكرار التدريب مرة أخرى لتحسين أدائه، ما يحول الذكاء الاصطناعي إلى مدرب متاح في أي وقت.
هل تستغني “هارفارد” عن أساتذتها؟
لا يشير استخدام النسخ الرقمية إلى أن هارفارد قررت الاستغناء عن أساتذتها، إذ ترى الكلية أن التكنولوجيا تتيح توسيع نطاق المساعدة التي يستطيع الأساتذة تقديمها لرواد الأعمال، لا سيما عندما يحتاج الطالب إلى التدريب المتكرر أو يرغب في اختبار فكرته في أي وقت.
وتشدد الكلية على أن هذه النسخ ليست بديلا من الخبراء الحقيقيين. فالبرنامج يتضمن جلسات مباشرة مع متخصصين ومنتديات للتواصل بين رواد الأعمال، وتعد هذه المساحات البشرية من أكثر خصائص المنصة استخداما.
وقال الأستاذ شيخار جوش إن الهدف ليس صنع بديل عنه، وإنما منح مؤسسي المشاريع فرصة للاستعداد واختبار أفكارهم قبل اللقاءات المباشرة، بحيث يُخصص وقت التواصل مع البشر للأسئلة التي تحتاج إلى خبرة وحكم شخصي.
غير أن التجربة تطرح تساؤلاً أوسع بشأن مستقبل التعليم الجامعي؛ فإذا أصبح الطالب قادراً على التحدث مع نسخة رقمية من أستاذ معروف في أي وقت، فما الذي سيظل متاحاً حصراً عبر الأستاذ البشري؟
كيف صُنعت النسخ؟
أنشئت الشخصيات الرقمية باستخدام تقنية شركة “HeyGen”، بعد تسجيل مقابلات ومواد خاصة مع أعضاء هيئة التدريس المشاركين.
وتقول هارفارد إن المشاركة في المشروع كانت طوعية، وإن كل أستاذ يراجع أداء نسخته الرقمية ويقدم ملاحظات مستمرة بهدف تحسين إجاباتها وطريقة تفاعلها مع المتدربين.
هل يستبدل الذكاء الاصطناعي الأستاذ؟
يستطيع الذكاء الاصطناعي محاكاة أسلوب الشرح، وطرح الأسئلة، وتقديم الملاحظات، لكنه لا يمتلك بالضرورة كامل الخبرة الإنسانية التي يتمتع بها الأستاذ، كما لا يمكنه أن يعوض العلاقات الشخصية والإرشاد القائم على معرفة الطالب وظروفه وطموحاته.
لكن مع اتساع استخدام الجامعات والشركات لتقنيات الذكاء الاصطناعي، قد يتحول السؤال مستقبلاً من البحث في إمكانية إحلاله محل الأستاذ إلى تحديد مدى حضور الأستاذ نفسه من خلال نسخة رقمية تعمل باستمرار.






