اتفاقية «إنفيديا» و «كورنينج» تعيد تشكيل قطاع الذكاء الاصطناعي التوليدي
إنشاء 3 مصانع متطورة جديدة في ولايتي كارولاينا الشمالية وتكساس
أعلنت إنفيديا، الشركة الرائدة في صناعة الرقائق الإلكترونية والتي تعتبر حجر أساس في الطفرة الحالية لتقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي، عن شراكتها مع شركة كورنينج corning، المتخصصة في صناعة الزجاج والسيراميك، وذلك من خلال إنشاء 3 مصانع متطورة جديدة في ولايتي كارولاينا الشمالية وتكساس، مخصصة بالكامل للتقنيات البصرية لصالح شركة أشباه الموصلات الأغلى قيمة في العالم.
شركة Corning Inc. (كورنينج) هي شركة أمريكية عريقة تأسست عام 1851، وتُعد من الروّاد عالميًا في علوم المواد، خصوصًا الزجاج والسيراميك المتقدم. اشتهرت بابتكارات أثّرت على صناعات متعددة، من الشاشات إلى الاتصالات، حيث أنها الشركة المصنعة لشاشات الموبايلات المختلفة والأجهزة اللوحية كما أنها تعمل في صناعة الألياف الضوئية والكابلات المستخدمة في الإنترنت عالي السرعة ومراكز البيانات.
تمثل الشراكة بين NVIDIA وCorning Inc. نقطة تحول مهمة في مسار تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي، إذ تعكس انتقال الصناعة من مرحلة التركيز على قوة المعالجة فقط إلى مرحلة أكثر تقدمًا تعتمد على كفاءة نقل البيانات وسرعتها. ففي الوقت الذي أصبحت فيه نماذج الذكاء الاصطناعي أكثر تعقيدًا وضخامة، لم يعد التحدي مقتصرًا على تطوير رقائق أسرع، بل أصبح مرتبطًا بقدرة هذه الأنظمة على تبادل كميات هائلة من البيانات بكفاءة عالية وبتكلفة طاقة أقل.

وأفادت الشركتان في بيان صحفي مشترك اليوم الأربعاء أن هذه المصانع ستساهم في توفير ما لا يقل عن 3000 وظيفة، وستزيد من قدرة كورنينج على تصنيع المنتجات البصرية في الولايات المتحدة عشرة أضعاف. ولم يتم الكشف عن التفاصيل المالية للصفقة. ولكن سرعان ما تفاعلت الأسواق العالمية مع الإعلان حيث شهدت أسهم كورنينج ارتفاعاً ملحوظاً بنسبة 14% عقب الإعلان، بينما ارتفعت أسهم إنفيديا بنسبة 3% تقريباً.
رغم أن الشركتين لم تُفصّلا طبيعة التطوير، يُرجّح أن شركة إنفيديا تُحضّر لاستبدال النحاس بألياف زجاجية بصرية optical fiber من إنتاج شركة كورنينج في أنظمة الذكاء الاصطناعي الخاصة بها، وهو تكامل يُعرف باسم البصريات المُدمجة.
الألياف الزجاجية البصرية (Optical Fiber) هي وسيلة متطورة لنقل البيانات باستخدام الضوء بدلًا من الكهرباء وبالتالي بدلا من تحرك البيانات كـ”إلكترونات” داخل النحاس،
ستتحرك كـ”فوتونات” داخل الزجاج — وهذا فرق ضخم في السرعة والكفاءة.
يشار إلى أنه في مؤتمر إنفيديا العالمي للتكنولوجيا (GTC) العام الماضي قال الرئيس التنفيذي للشركة، جنسن هوانج، إن البصريات المُدمجة أساسية لتطوير الذكاء الاصطناعي.
فيما قال الرئيس التنفيذي لشركة كورنينج، ويندل ويكس، في بيان صحفي له: “ما تقوم به إنفيديا استثنائي بكل المقاييس، ليس فقط لمستقبل الذكاء الاصطناعي، بل وللقوى العاملة الأمريكية في مجال التصنيع المتقدم”.
في هذا السياق، يمكن النظر إلى هذه الشراكة باعتبارها خطوة استراتيجية نحو بناء الجيل القادم من البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، حيث لا تتحرك البيانات فقط بسرعة أكبر، بل تقترب من أن تنتقل “بسرعة الضوء”، مما يمهد الطريق أمام تطبيقات أكثر تطورًا وانتشارًا في المستقبل القريب.
وقد ارتفع سهم كورنينج بأكثر من 250% خلال العام الماضي حتى إغلاق يوم الثلاثاء، مدفوعًا بتحوّل الشركة السريع نحو الاقتصاد الجديد.
رسّخت إنفيديا مكانتها في سوق الذكاء الاصطناعي منذ وقت مبكر، إذ تُعدّ وحدات معالجة الرسومات الخاصة بها أساسية لتطوير نماذج لغوية ضخمة، ولتمكين عمالقة التكنولوجيا مثل ألفابت وميتا من توسيع مراكز بياناتهم بشكل هائل. ارتفع سعر سهم إنفيديا بنحو 14 ضعفًا خلال السنوات الخمس الماضية، إلا أن هذا الارتفاع تباطأ مؤخرًا مع تنويع المستثمرين استثماراتهم في قطاعات أوسع من شركات البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، ودعمهم لشركة إنتل لصناعة الرقائق، وشركة مايكرون لتصنيع الذاكرة، بالإضافة إلى شركة كورنينج.
لطالما انتظر المحللون نشر إنفيديا واسع النطاق لتقنية البصريات المدمجة، لما تعد به هذه التقنية من زيادة هائلة في سرعة نقل البيانات وخفض استهلاك الطاقة لأحمال عمل الذكاء الاصطناعي.
تشتهر كورنينج بتصنيعها جميع زجاج شاشات هواتف آيفون من آبل، إلا أن الاتصالات البصرية لا تزال أكبر أعمالها وأسرعها نموًا. منذ اختراع الألياف الضوئية للاتصالات بعيدة المدى عام ١٩٧٠، زوّدت شركة كورنينج ملايين الأميال من الكابلات لربط رفوف الخوادم في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي التابعة لجميع الشركات الكبرى.
وتضمنت الصفقة التي أُعلن عنها اليوم الأربعاء أيضًا منح شركة إنفيديا حق شراء ما يصل إلى 15 مليون سهم من أسهم كورنينج العادية بسعر 180 دولارًا أمريكيًا للسهم الواحد. إضافةً إلى ذلك، تمتلك إنفيديا حق شراء ممول مسبقًا لما يصل إلى 3 ملايين سهم من أسهم كورنينج العادية بسعر $0.0001 دولار أمريكي للسهم الواحد، ليبلغ إجمالي سعر الشراء 500 مليون دولار أمريكي.

من خلال شراكتها مع إنفيديا، قد تُدخل كورنينج الألياف الضوئية بين الرقائق نفسها، لتحل في نهاية المطاف محل 5000 كابل نحاسي داخل أنظمتها الضخمة مثل فيرا روبين.
كابلات الألياف الضوئية عبارة عن خيوط زجاجية دقيقة ومرنة تسمح بمرور البيانات على شكل فوتونات بسرعات أعلى بكثير وباستهلاك طاقة أقل بكثير مما تستهلكه الأسلاك النحاسية التقليدية.
قال ويكس في مقابلة مع سي إن بي سي في يناير: “يستهلك نقل الفوتونات طاقة أقل بخمس إلى عشرين مرة من نقل الإلكترونات”.
قال فلاد غالابوف، المتخصص في البنية التحتية للمؤسسات في شركة الأبحاث أومديا: “أنت تُقرّب عملية تحويل الضوء من رقاقة الكمبيوتر مباشرةً. يتم هدر طاقة أقل لأن الإشارة تنتقل الآن لمسافة بضعة ملليمترات، وهو ما يتطلب طاقة أقل بكثير من نقلها عبر لوحة الدوائر”. وأضاف غالابوف: “لقد دفعت إنفيديا النظام البيئي بأكمله إلى الابتكار بوتيرة أسرع”.
تتيح الألياف الضوئية أيضًا فقدانًا أقل للإشارة مقارنةً بالنحاس، مما يُسرّع الاتصال الموثوق ويُقلّل المسافة اللازمة بين مئات الآلاف من وحدات معالجة الرسومات في مراكز البيانات.
وقال هوانج من شركة إنفيديا في البيان الصحفي: “يقود الذكاء الاصطناعي أكبر عملية تطوير للبنية التحتية في عصرنا، وهي فرصة لا تتكرر إلا مرة واحدة في الجيل لتنشيط التصنيع وسلاسل التوريد الأمريكية”.
وأضاف: “بالتعاون مع كورنينج، نصنع مستقبل الحوسبة بتقنيات بصرية متطورة، ونبني الأساس لبنية تحتية للذكاء الاصطناعي حيث تنتقل المعلومات بسرعة الضوء، مع تعزيز التقاليد العريقة للصناعات الأمريكية”.
الجدير بالذكر أنه في يناير الماضي، أعلنت شركة ميتا أنها ستنفق ما يصل إلى 6 مليارات دولار بصفتها العميل الرئيسي الذي يساعد شركة كورنينج في بناء مصنع الكابلات الضوئية الخاص بها في هيكوري بولاية كارولينا الشمالية، وهو توسع من المتوقع أن يخلق حوالي 1000 وظيفة.







